32.8 C
تونس
11 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى ثقافة وإعلام

التونسي و العرس…من “الحنة و الفرقة” إلى قاعة الافراح و “الستوري”



بقلم عبد الصمد الكرتلي

في تونس، العرس ليس مجرد عرس… بل هو مشروع عائلي كامل، يبدأ أحيانًا قبل الموعد بأشهر، وينتهي بعده بأسابيع، وربما يبقى موضوع حديث العائلة إلى أن يأتي عرس آخر يسرق منه الأضواء..  زمان، كانت للعرس التونسي نكهة خاصة. الحومة تعرف أن هناك عرسًا قبل أن يصلها الخبر رسميًا، فالزغاريد تصل إلى آخر النهج، وصوت «الفرقة» يعلن أن الليلة ليست عادية. النساء يجتمعن، الرجال يتكلفون بما عليهم، والصغار يدورون بين الجميع وكأنهم جزء رسمي من التنظيم، رغم أن أحدًا لم يطلب منهم ذلك.
  كانت «الحِنّة» مناسبة وحدها، والدار تتحول إلى خلية نحل. نساء يدخلن ويخرجن، أواني في كل مكان، قهوة وحلويات، وأحاديث لا تنتهي. وكل واحدة عندها رأي في كل شيء: في الفستان، في العروس، في العريس، في المأكولات وحتى في طريقة توزيع الكراسي. وكان العرس في الماضي فرصة حقيقية لـ«اللمة». الأقارب الذين لا نراهم إلا في المناسبات يجتمعون، والجيران يشاركون، والدار تفتح أبوابها للجميع.


لم تكن المسألة مرتبطة بعدد المدعوين ولا بحجم القاعة، بل بكمية الناس الذين يفرحون مع العائلة. أما اليوم، فقد تغيرت الصورة كثيرًا. القاعة عوضت الدار في كثير من الأعراس، و«الدي جي» أخذ مكان الفرقة في عدد من المناسبات، والتصوير أصبح جزءًا أساسيًا من الحفل، حتى إن بعض اللحظات أصبحت تُحضّر للكاميرا قبل أن تُعاش للناس. العروس اليوم لا يكفيها أن تكون جميلة في ليلة عرسها، بل يجب أن تكون جاهزة أيضًا لـ«الستوري». والعريس الذي كان في الماضي يحاول أن يبدو هادئًا ومحترمًا، أصبح مطالبًا أحيانًا بأن يرقص ويبتسم ويتفاعل مع الكاميرات من كل جهة، وكأنه في تصوير برنامج تلفزيوني بل  حتى «التهاني» تغيرت. زمان كان الواحد يمشي للدار، يصافح العائلة، يشرب قهوة، ويقعد شوية. اليوم يمكن أن تبارك للعريس برسالة على الهاتف، ثم ترى صور العرس كاملة على مواقع التواصل قبل أن يعرف حتى صاحب العرس كيف ظهرت بعض الصور. والفرق بين عرس زمان وعرس اليوم يظهر حتى في الملابس. العروس في الماضي قد تلبس أكثر من لباس تقليدي، وكل لباس له معنى وطقوسه الخاصة. اليوم أصبحت الخيارات أكثر، والتصاميم أكثر، والمكياج أكثر تعقيدًا، وأحيانًا يحتاج الواحد إلى متابعة «اللوك» أكثر من متابعة العرس نفسه.
أما الماكولات، فهي قصة أخرى في تونس، من المستحيل تقريبًا أن يمر عرس دون أن يسأل أحدهم: «شنوة باش تكون الماكلة؟». فالمائدة جزء من نجاح المناسبة، والناس قد تنسى اسم المغني، لكنها نادرًا ما تنسى إن كان الكسكسي جيدًا أو ان “الملوخية تستحق”!
ومهما تغيرت الأعراس، بقيت بعض الأشياء ثابتة. الأم تبقى أكثر شخص متوتر في العرس، والخالة عندها دائمًا ملاحظات، والعم يسأل عن عدد المدعوين، وأحد الأقارب سيصل متأخرًا ويقول: «سامحوني، ما لقيتش بلاصة نركن” ويبقى هناك ذلك الشخص الذي لا يعرف كيف انتهى به الأمر في وسط حلقة الرقص، لكنه يواصل الرقص بثقة وكأنه صاحب العرس. وهناك من يبدأ السهرة جالسًا بهدوء، ثم بعد ساعتين يصبح أول واحد في الصف الأمامي.
ورغم كل مظاهر التغيير، يبقى العرس التونسي مناسبة للفرح واللقاء. تغيرت القاعات، وتطورت الملابس، وتبدلت الموسيقى، ودخل الهاتف والكاميرا ومواقع التواصل بقوة، لكن «اللمة» ما زالت هي روح المناسبة.  فالعرس التونسي القديم كان أبسط، والعرس الجديد أصبح أكثر تنظيمًا وتكلفة واستعراضًا، لكن الاثنين يشتركان في شيء واحد: عندما يفرح التونسي، يحب أن يشاركه الجميع فرحته وربما هذا هو سر العرس التونسي…
قد تتغير «الفرقة» إلى «دي جي»، وقد تتغير صورة العروس من ألبوم عائلي إلى «ستوري» يشاهده المئات، لكن الزغروطة تبقى زغروطة، والفرحة تبقى فرحة، و«اللمة» تبقى أجمل تفصيلة في الحكاية.

Related posts

البرلمان ينهي التصويت على الفصول الإضافية… و اليوم الحسم

صابر الحرشاني

“نيمو” يعيد جائزة “يوروفيجن” احتجاجًا على مشاركة إسرائيل

صابر الحرشاني

نقابات التاكسي الفردي تلوّح بالتصعيد

صابر الحرشاني

Leave a Comment