16 سبتمبر، 2026
الصفحة الأولى سياسة

قريبا تنطلق الدورة الأخيرة للبرلمان…. اختبار التشريع والتنفيذ

صابر الحرشاني

يدخل مجلس نواب الشعب بعد اسبوعين دورته العادية الرابعة والأخيرة من المدة النيابية الحالية، في مرحلة تتقاطع فيها الاستحقاقات التشريعية والمالية والرقابية.

وستكون الدورة الجديدة مطالبة بالتعامل مع ملفات ثقيلة، وفي مقدمتها مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى جانب عدد من مقترحات القوانين التي قطعت أشواطا متفاوتة داخل اللجان، وأخرى ما تزال تنتظر التفاعل الحكومي أو استكمال المسار التشريعي.

وتكتسب هذه الدورة خصوصية إضافية باعتبارها الأخيرة في المدة النيابية 2023-2027، ما يضع المجلس أمام اختبار يتعلق بقدرته على تحويل المبادرات التشريعية التي تقدم بها النواب إلى نصوص قابلة للتطبيق، وعلى متابعة تنفيذ القوانين التي صادق عليها سابقا، وخاصة قانون المالية لسنة 2026 وما تضمنه من أحكام إضافية.

قانون المالية وامتحان التنفيذ

وسيكون مشروع قانون المالية لسنة 2027 في صدارة الملفات المنتظرة، وهو استحقاق سنوي يفرض على البرلمان مناقشة اختيارات الدولة في الموارد والنفقات والجباية والتمويل والاستثمار، بالتوازي مع تقييم ما تحقق من الإجراءات التي أقرها قانون المالية لسنة 2026.

وخلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026، لم يقتصر دور المجلس على التصويت على الصيغة الحكومية، إذ شهدت المداولات تقديم فصول إضافية ومقترحات تعديل، قبل المصادقة على عدد منها. ووفق معطيات مجلس نواب الشعب، عرضت على التصويت 110 فصلا، فيما قدمت مقترحات تتعلق بفصول إضافية انتهى بعضها إلى القبول والرفض والسحب.

غير أن الرهان في الدورة المقبلة لن يرتبط فقط بإضافة إجراءات جديدة إلى قانون المالية، وإنما كذلك بمدى تنفيذ الأحكام التي سبق أن صادق عليها البرلمان. وقد أثارت لجنة المالية والميزانية خلال سنة 2026 مسألة التأخير في إصدار الأوامر الترتيبية المتعلقة بتنفيذ قانون المالية لسنة 2026، وربطت ذلك بتأثيره في تنفيذ البرامج العمومية ونجاعة التدخل المالي للدولة.

ومن هنا يطرح قانون المالية لسنة 2027 سؤالا يتجاوز الأرقام والفصول، ويتعلق بمدى قدرة المجلس على متابعة مآل الأحكام التي يصادق عليها، وتحديد ما يحتاج منها إلى نصوص تطبيقية، وما تم تنفيذه فعليا، وما بقي معطلا وأسباب ذلك.

كما سيكون مشروع الميزانية مرتبطا بالتوجهات العامة لمخطط التنمية 2026-2030، الذي صادق عليه المجلس خلال السنة الحالية و الدورة السابقة، وسط مطالب نيابية بتوضيح مصادر التمويل وربط الأهداف بالموارد ووضع مؤشرات دقيقة لمتابعة التنفيذ.

مجلات تنتظر التوافق

الاستحقاق الثاني يتعلق بالملفات التشريعية ذات الطابع الاقتصادي والإصلاحي، وفي مقدمتها مجلة الصرف ومجلة الاستثمار، وهما ملفان تكررت المطالبة بمراجعتهما خلال السنوات الأخيرة، فيما لا تزال المبادرات التشريعية في هذا المجال تواجه الحاجة إلى تنسيق وثيق بين البرلمان والحكومة.

ويبرز في هذا السياق مقترح قانون إصدار مجلة الصرف عدد 115/2025، الذي أودع من قبل مجموعة من النواب في أكتوبر 2025، وأحيل إلى لجنة المالية والميزانية في جانفي 2026. وقد عقدت اللجنة خلال السنة جلسات استماع لجهة المبادرة ووزارة المالية وممثلي الهياكل الاقتصادية، إضافة إلى منظمات مهنية، ما يؤكد بلوغ الملف مرحلة متقدمة من النقاش التشريعي دون أن يتحول إلى قانون صادر.

كما شهد ملف مجلة الاستثمار تحركا داخل لجنة التخطيط الاستراتيجي، التي استمعت في فيفري 2026 إلى ممثلين عن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية حول مقترح يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 71 لسنة 2016 المتعلق بقانون الاستثمار.

وتكشف هذه الملفات عن تحد تشريعي مزدوج: قدرة النواب على إعداد المبادرات ومناقشتها من جهة، وقدرة المؤسسات المعنية على الوصول إلى صيغ منسقة وقابلة للتطبيق من جهة أخرى. فالإصلاحات الاقتصادية الكبرى تحتاج إلى توافق حول مضمونها وآليات تنفيذها، كما تحتاج إلى وضوح في توزيع المسؤوليات بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية.

ويشمل جدول الانتظارات ملفات أخرى ذات علاقة مباشرة بالاقتصاد والاستثمار، مثل مراجعة القانون الأساسي للميزانية، وتسوية مخالفات الصرف، إلى جانب قوانين تتصل بالاستثمار والموارد والمرافق العمومية. وقد ناقشت لجنة المالية خلال أفريل 2026 تحديات التنسيق بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم في المسائل المالية والتشريعية، ودعت إلى معالجة عدد من الإشكالات الإجرائية.

الرقابة أمام اختبار الحصيلة

أما الرهان الثالث فيتعلق بالوظيفة الرقابية، وهي وظيفة ستكتسب أهمية أكبر في الدورة الأخيرة، باعتبار أن المجلس سيكون أمام فرصة لمتابعة ما آل إليه عدد من القوانين والبرامج التي صادق عليها، ومدى انعكاسها على الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

وقد أظهرت أشغال المجلس خلال السنة الحالية اتساع الملفات التي تطلبت إجابات حكومية، من الاستثمار والتمويل إلى المؤسسات العمومية والتنمية الجهوية والرقمنة والإدارة. كما ارتبطت مناقشة مخطط التنمية 2026-2030 بمطالب نيابية بوضع مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز ومتابعة المشاريع والاعتمادات المرصودة لها.

وفي هذا الإطار، سيكون أمام اللجان القارة والمجلس جلسة رقابية طويلة مع ملفات لم تحسم في الدورات السابقة، سواء تعلق الأمر بالنصوص التطبيقية، أو المشاريع العمومية، أو الإصلاحات الاقتصادية، أو القوانين التي بقيت في مرحلة الدراسة.

وتبرز هنا مسألة العلاقة بين المبادرة التشريعية والقدرة على التنفيذ. فقد أشار نواب خلال مناقشات سابقة إلى وجود مقترحات قوانين متعددة لم تبلغ مرحلة المصادقة، بينما توجد ملفات أخرى تستوجب مبادرة حكومية أو تنسيقا بين الجانبين. كما طرحت داخل المجلس دعوات إلى مراجعة عدد من المجالات القانونية، من بينها الصرف والاستثمار والمياه والغابات وغيرها.

وبذلك تبدأ الدورة الأخيرة للمجلس في ظل جدول أعمال يتجاوز المصادقة على نصوص جديدة إلى اختبار ما تحقق من أعمال المجلس خلال السنوات الماضية. وسيكون قانون المالية لسنة 2027 محطة مركزية في هذا المسار، ليس فقط باعتباره القانون المالي السنوي، وإنما أيضا باعتباره فرصة لمقارنة ما تقرر سابقا بما نفذ فعليا.

وتبقى قدرة البرلمان والحكومة على التنسيق عاملا حاسما في حسم عدد من الملفات، خصوصا الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي تحتاج إلى نصوص واضحة وآليات تنفيذ وأوامر تطبيقية ومتابعة مستمرة. ومع اقتراب نهاية المدة النيابية، تصبح الحصيلة التشريعية والرقابية للمجلس مرتبطة بدرجة أكبر بقدرته على الانتقال من مرحلة تقديم المبادرات ومناقشتها إلى مرحلة إصدار النصوص ومتابعة تنفيذها.

Related posts

جبهة الخلاص تستغرب “صمت هيئة المحامين” امام الحكم الصادرفي حق سيف الدين مخلوف ..

root

المرصد الدولي لحقوق الإنسان: ما يحصل في تونس انقلاب مكتمل الأركان

root

كرة اليد: المنتخب التونسي يستهل اليوم مشواره في كأس إفريقيا

صابر الحرشاني

Leave a Comment