27 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى تكنولوجيا

قبل اطلاقها… شبكة الجيل السادس من الانترنات تثير الجدل صابر الحرشاني

لم تعد شبكات الاتصالات الحديثة تؤدي وظيفة واحدة تتمثل في نقل المكالمات والبيانات وتوفير الاتصال بالإنترنت. فمع اقتراب العالم من الجيل السادس للاتصالات، يجري تطوير تقنيات يمكن أن تجعل الشبكات قادرة، إلى جانب الاتصال، على استشعار ما يحدث في محيطها.

وبينما تبدو الفكرة للوهلة الأولى امتدادا طبيعيا للتطور التكنولوجي، فإنها تفتح في المقابل بابا واسعا أمام أسئلة الخصوصية والمراقبة، ففي الصيف الحالي أصدر مؤتمر سلطات حماية البيانات الألمانية (DSK) وثيقة رسمية تناولت ما يعرف بتقنية “الاستشعار والاتصال المتكامل” أو ISAC، محذرة من التحديات التي قد تفرضها هذه التقنية على الخصوصية، خصوصا مع إدماجها تدريجيا في شبكات الجيل السادس ومعايير الاتصال اللاسلكي.

وتبدو وفق التقارير الفكرة الأساسية في ISAC  بسيطة، لكنها تحمل نتائج كبيرة ، ذلك ان الإشارة اللاسلكية التي تستخدم اليوم أساسا لنقل المعلومات يمكن أن تستعمل أيضا لاستشعار البيئة المحيطة بها، أي أن الشبكة لا تكتفي بمعرفة أن البيانات انتقلت من جهاز إلى آخر، وإنما يمكن أن تستفيد من تغيرات الموجات والإشارات لاكتشاف وجود أجسام وأشخاص وحركتهم.

من نقل البيانات إلى الاستشعار

و تعتمد الاتصالات اللاسلكية على إرسال موجات راديوية واستقبالها، وعندما تصطدم هذه الموجات بالأجسام والأشخاص والجدران، فإنها تتغير بدرجات مختلفة قبل أن تصل إلى أجهزة الاستقبال. ويمكن، باستخدام عدد كبير من الهوائيات وخوارزميات متقدمة وتقنيات معالجة الإشارة والذكاء الاصطناعي، تحليل هذه التغيرات واستخراج معلومات عن البيئة.

وهذه الفكرة ليست جديدة تماما، فقد شهدت السنوات الماضية تطورا متسارعا فيما يعرف بـ«Wi-Fi sensing»، حيث استُخدمت إشارات شبكات Wi-Fi في تجارب لرصد الحركة داخل الأماكن المغلقة، واكتشاف وجود الأشخاص وحتى متابعة بعض المؤشرات الفيزيولوجية، لكن الجديد مع ISAC هو محاولة جعل الاستشعار جزءا مدمجا في منظومة الاتصالات نفسها، وهذا يعني أن أجهزة ومحطات تستخدم أصلا للاتصال قد تتحول مستقبلا إلى نقاط استشعار واسعة الانتشار، بدلا من الحاجة دائما إلى تركيب أجهزة رادار منفصلة لهذا الغرض.

وتكمن أهمية ذلك في حجم الشبكات اللاسلكية وانتشارها، فمحطات الاتصالات وأجهزة Wi-Fi والمعدات اللاسلكية الأخرى موجودة في المنازل والمكاتب والمصانع والأماكن العامة، وإذا أصبحت هذه البنية قادرة على الاستشعار، فإن العالم المحيط بها يمكن أن يتحول عمليا إلى بيئة قابلة للرصد بدرجات مختلفة.

هل يمكن رؤية الإنسان ؟

وتشير الوثيقة الألمانية إلى أن تقنيات الاستشعار المستقبلية يمكن أن تكون قادرة، في بعض السيناريوهات، على اكتشاف الأشخاص والأجسام حتى عبر الجدران أو الحواجز، غير ان هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فالحديث لا يتعلق بكاميرا مخفية داخل محطة الاتصالات تستطيع إنتاج صورة لما يوجد داخل المنزل، ولا يعني أن شبكة 6G ستعرض على شاشة ما يحدث في غرفة النوم كما لو كانت كاميرا مراقبة، و بحسب الوثيقة فهي عملية تحليل لتغيرات الموجات اللاسلكية. وبالاستناد إلى تلك التغيرات، يمكن للنظام أن يستنتج معلومات عن وجود جسم أو شخص أو حركته، وربما بعض الخصائص الفيزيولوجية في ظروف مناسبة،لذلك فإن التعبير الأدق هو “الاستشعار’وليس “الرؤية”لكن الفرق بين المصطلحين لا يلغي المشكلة المتعلقة بالخصوصية. فقد يكون من الممكن معرفة معلومات عن وجود الإنسان وحركته من دون أن يعرف هو أن عملية استشعار تجري أصلا وهنا تكمن حساسية المسألة.

ومن أكثر النقاط التي تستحق الانتباه أن هذه المنظومة لا تقوم بالضرورة على أن يحمل الشخص هاتفا ذكيا أو جهازا متصلا بالشبكة. حيث انه في النموذج التقليدي للاتصالات، تحتاج الشبكة إلى جهاز مستخدم لكي تتبادل معه البيانات. أما في أنظمة الاستشعار، فالمعلومة يمكن أن تأتي من الطريقة التي تتفاعل بها الموجات مع البيئة المحيطة فقد يكون وجود الشخص نفسه، وحركته داخل المكان، كافيا لإحداث تغيرات في الإشارة يمكن للنظام تحليلها.

فإذا كان الهاتف جهازا شخصيا يملكه الإنسان ويمكنه إطفاؤه أو تركه خارج المنزل، فإن البيئة اللاسلكية المحيطة به ليست بالضرورة تحت سيطرته المباشرة.

رصد من نوع اخر

كما تشير الوثيقة الألمانية إلى إمكانات مرتبطة برصد مؤشرات مثل التنفس ونبض القلب، إضافة إلى اكتشاف الحركة والسقوط ووجود الأشخاص، وهذه التطبيقات يمكن أن تكون مفيدة جداً في بعض المجالات.

وفي المجال الطبي مثلا يمكن لتقنيات الاستشعار اللاسلكي أن تساعد مستقبلا في مراقبة أشخاص من دون الحاجة إلى ارتداء أجهزة استشعار طوال الوقت. وفي رعاية كبار السن، يمكن أن يكون اكتشاف السقوط أو عدم الحركة وسيلة للتدخل السريع. وفي المنازل الذكية، يمكن للأنظمة أن تستجيب تلقائيا لوجود الأشخاص وحركتهم.

لكن التكنولوجيا نفسها التي يمكن أن تكون مفيدة في المستشفى أو منزل شخص اختار استخدامها، يمكن أن تتحول إلى مصدر قلق إذا استُخدمت من دون علم الأشخاص أو موافقتهم.

وهنا تظهر قاعدة قديمة في عالم التكنولوجيا مفادها انه ليست المشكلة دائما في القدرة التقنية نفسها، وإنما في من يملكها، وكيف يستخدمها، ومن يستطيع الوصول إلى البيانات التي تنتج عنها.

ومع انتشار قدرات الاستشعار في شبكات الاتصالات، قد تصبح هناك إمكانية لمراقبة البيئة المحيطة من دون استخدام كاميرات بالمعنى التقليدي، ذلك أن الكاميرا تحتاج إلى مجال رؤية، ويمكن للإنسان أن يعرف في كثير من الأحيان أنه أمام كاميرا. أما الاستشعار اللاسلكي فيعمل بطريقة مختلفة، وقد يستطيع التقاط معلومات لا تصل إليها العين الإلكترونية التقليدية.

ففي الوقت الحالي يمكن للإنسان، في حالات كثيرة، أن يبحث عن كاميرا أو يتجنب منطقة مراقبة أو يغادر مكاناً يشعر فيه بأنه تحت المراقبة. لكن إذا أصبحت قدرات الاستشعار جزءاً من البنية التحتية للاتصالات، فإن اكتشاف وجودها أو حتى معرفة أنها تجمع معلومات قد يصبح أكثر صعوبة.

دلالات التحرك

و قد يطرح البعض سؤالا بسيطا: إذا كانت التقنية لم تنتشر بعد على نطاق واسع، فلماذا تتحرك سلطات حماية البيانات منذ الآن؟ والإجابة تكمن في طبيعة عملية تطوير المعايير التكنولوجية، فالقواعد التقنية التي تحدد كيفية عمل شبكات الجيل السادس لا توضع بعد انتشار الشبكات في كل مكان، وإنما يجري إعدادها وتطويرها وتقييسها مسبقاً. ولذلك ترى سلطات حماية البيانات الألمانية أن مرحلة وضع المعايير هي الوقت المناسب لإدخال متطلبات الخصوصية.

بمعنى آخر، لا تريد السلطات انتظار انتشار التقنية ثم محاولة معالجة الأضرار بعد وقوعها، فالخطر، من وجهة نظر حماية البيانات، هو أن تصبح وظيفة الاستشعار جزءا أصيلا من البنية التحتية قبل أن تكون هناك قواعد واضحة تحدد متى يمكن استخدامها، وما البيانات التي يمكن جمعها، ومن يملك حق الوصول إليها، وكم من الوقت يمكن الاحتفاظ بها.

ورغم ذلك، من الخطأ اختزال الموضوع في عبارة مثل «الجيل السادس سيتجسس على الناس»فالواقع أكثر تعقيدا لعدة اسباب اولها ان

تقنية ISAC ما زالت مجالاً بحثياً وتطويرياً يجري العمل على معاييره وتطبيقاته. وثانياً، قدرة النظام على الاستشعار تتأثر بعوامل كثيرة، منها الترددات المستخدمة، وعدد الهوائيات، وموقع أجهزة الإرسال والاستقبال، والمسافة، وطبيعة المكان، والجدران والعوائق، وجودة الإشارات والخوارزميات المستخدمة كما أن اكتشاف وجود شخص لا يعني القدرة على معرفة كل ما يفعله بالتفصيل.

والقول إن النظام يمكنه استشعار نبض القلب لا يعني أنه يستطيع إجراء فحص طبي عن بعد بدقة جهاز طبي متخصص، كما أن إمكانية الاستشعار عبر الجدران لا تعني إنتاج صورة تفصيلية لما يحدث خلفها.

لذلك فإن أكثر السيناريوهات إثارة التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يجب التعامل معها بحذر.

وقد يكون الخطر الأكبر ليس في قدرة النظام على «رؤية» الإنسان، وإنما في المعلومات التي يمكن استنتاجها منه.

ومن المتوقع أن يبدأ إدخال تقنيات الجيل السادس تجاريا في حدود عام 2030، وإن كان التطور الفعلي سيختلف من دولة إلى أخرى ومن تطبيق إلى آخر.

وهذا يعني أن النقاش الدائر في ألمانيا يأتي قبل الانتشار الواسع لهذه التقنيات، وهو ما يمنحه أهمية خاصة.

Related posts

تقلبات جوية وأمطار رعدية متوقعة

صابر الحرشاني

المتحدثة باسم الجيش الاسرائيلي تهاجم مسلسل صحاب الارض

صابر الحرشاني

المانيا: تونس الثانية عالميا في تصاريح اقامة العمال المؤهلين من خارج الاتحاد الاوروبي في 2025

صابر الحرشاني

Leave a Comment