21.1 C
تونس
20 أكتوبر، 2026
الصفحة الأولى عالمية

 لماذا تعيش فرنسا أزمات حكومية متكررة؟

تعري الاحداث الجارية في فرنسا ان البلاد ما تكاد تخرج من ازمة حتى تقع في أخرى و ان كرة الثلج باتت تتصاعد منذ فترة، و تستدعي البحث العميق في أسبابها.

وتكشف التجربة السياسية الفرنسية وفق المختصين أن المشكلة لا تتعلق بالخلافات بين الأحزاب وحدها، بل أيضا بتوازنات البرلمان وصعوبة بناء أغلبية قادرة على الحكم.

ولم تعد الأزمة السياسية في فرنسا مرتبطة باسم رئيس حكومة بعينه أو بخلاف عابر حول مشروع قانون، فمنذ الانتخابات التشريعية لعام 2022، دخلت الحياة السياسية الفرنسية مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما فقد معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية، ثم جاءت الانتخابات المبكرة في سنة 2024 لتعمّق الانقسام، من دون أن تمنح أي معسكر أغلبية مطلقة تمكّنه من الحكم بمفرده.

وكانت النتيجة واضحة وهي حكومات تحتاج إلى التفاوض مع خصومها لتمرير قوانينها، وبرلمان تتوزع مقاعده بين قوى متنافسة، وقرارات اقتصادية واجتماعية تتحول سريعا إلى اختبارات لبقاء الحكومة نفسها. وقد أظهر سقوط حكومة ميشال بارنيي في ديسمبر 2024، عقب إقرار مذكرة لحجب الثقة، حجم الصعوبة التي تواجهها السلطة التنفيذية في هذا المشهد، لكن لفهم أسباب هذا الاضطراب، لا بد من النظر إلى طبيعة النظام السياسي الفرنسي، والتحولات التي عرفها المشهد الحزبي، وحدود الأدوات الدستورية في مواجهة برلمان منقسم.

برلمان بلا أغلبية واضحة

وتبدأ المشكلة من داخل الجمعية الوطنية، الغرفة البرلمانية التي تلعب الدور الأساسي في إقرار القوانين ومراقبة الحكومة.

وفي السابق، كان الرئيس المنتخب يتمتع غالبًا بدعم برلماني يسهّل عليه تنفيذ برنامجه. أما الانتخابات التشريعية الأخيرة فقد أظهرت تراجع هذا النمط، مع صعود قوى سياسية متباعدة في مواقفها، من اليسار إلى الوسط واليمين القومي.

ولا تعني هذه النتيجة أن فرنسا تفتقر إلى الأحزاب أو إلى التمثيل السياسي، بل إن تعدد القوى أصبح من الصعب تحويله إلى أغلبية متماسكة. فالحصول على أكبر عدد من المقاعد لا يضمن القدرة على تشكيل حكومة مستقرة، خصوصًا عندما تختلف الأحزاب حول الضرائب والإنفاق العام والتقاعد والهجرة والسياسات الاجتماعية.

وفي مثل هذه الظروف، لا تستطيع الحكومة الاعتماد على أصوات معسكرها وحده في كل تصويت. وعليها أن تبحث عن تفاهمات مع قوى أخرى، حتى عندما تكون هذه القوى منافسة لها في الانتخابات أو مختلفة معها في القضايا الأساسية.

وتقوم الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي تأسست بموجب دستور عام 1958، على نظام يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، مع بقاء الحكومة مسؤولة أمام الجمعية الوطنية.

ويستطيع الرئيس تعيين رئيس الوزراء وحل الجمعية الوطنية وفق الشروط الدستورية. لكن هذه الصلاحيات لا تمنحه القدرة على ضمان أغلبية برلمانية مؤيدة له، ولا تحمي الحكومة من السقوط إذا اجتمعت الأصوات اللازمة لحجب الثقة عنها.

وهنا يظهر التوتر بين قوة الرئاسة وصعوبة الحكم من دون أغلبية. فقد يختار الرئيس رئيسًا للوزراء يتوافق معه في التوجهات، لكن هذا التوافق لا يكفي لإقرار الميزانية أو تمرير الإصلاحات إذا كانت أغلبية النواب تعارضها، وبذلك تصبح المشكلة سياسية بقدر ما هي دستورية: المؤسسات تحدد قواعد اللعبة، لكنها لا تستطيع إجبار الأحزاب على الاتفاق.

وتتيح المادة 49، في فقرتها الثالثة، للحكومة تمرير مشروع قانون من دون تصويت مباشر عليه، ما لم تنجح المعارضة في إقرار مذكرة لحجب الثقة عنها. وتخضع هذه الآلية لشروط دستورية محددة، مع قيود على استخدامها في النصوص التي لا تتعلق بالميزانية.

وتلجأ الحكومات إلى هذه الآلية عندما ترى أن المفاوضات البرلمانية لن تفضي إلى أغلبية مؤيدة لمشروعها. لكنها تحمل مخاطرة واضحة: فبدل أن يقتصر الخلاف على مضمون القانون، يتحول التصويت إلى مواجهة على بقاء الحكومة.

وقد تجسد ذلك في أزمة ديسمبر 2024، عندما أدى استخدام الآلية بشأن مشروع تمويل الضمان الاجتماعي إلى توحّد أصوات متعارضة سياسيًا ضد حكومة بارنيي، فسقطت الحكومة بعد اعتماد مذكرة حجب الثقة.

وهكذا، يمكن لأداة دستورية أن تساعد على تجاوز التعطيل التشريعي، لكنها لا تعوّض غياب التسوية السياسية، وقد تزيد المواجهة حدة عندما تستخدم في سياق منقسم.

لماذا أصبح الاتفاق أصعب؟

لا يقتصر الأمر على عدد المقاعد. فبناء تحالف حكومي يحتاج إلى اتفاق حول أولويات مشتركة، وإلى استعداد كل طرف للتنازل عن بعض مطالبه.

ولكن الخلافات بشأن إصلاح التقاعد، والضرائب، والهجرة، ومستوى الإنفاق العام جعلت التفاهمات أكثر صعوبة. كما أن الأحزاب تعمل في بيئة انتخابية تنافسية، حيث يمكن أن تُقدَّم التسوية مع الخصم على أنها تراجع عن الوعود الانتخابية.

وتصبح هذه الحسابات أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالميزانية. فالحكومة مطالبة بتمويل الخدمات العامة والوفاء بالتزامات الدولة، في وقت تواجه فيه ضغوطًا لتقليص العجز وضبط الإنفاق. وكل اختيار في هذا المجال يخلق مستفيدين ومتضررين، ويمنح المعارضة فرصة لمساءلة الحكومة.

ولا يعني ذلك أن الأحزاب الفرنسية عاجزة عن التفاوض، بل إن التوصل إلى اتفاق مستقر بات يتطلب جهدًا أكبر، في ظل تباعد المواقف وغياب كتلة تملك وحدها القدرة على حسم القرارات.

وعندما أعلن ماكرون حل الجمعية الوطنية في 2024، كان الرهان على أن تعيد الانتخابات رسم موازين القوى وتوضح اتجاه الناخبين. لكن الانتخابات التي جرت في يوليو/تموز لم تنتج أغلبية مطلقة لأي معسكر وأدى ذلك إلى مفارقة سياسية: الانتخابات أعادت توزيع المقاعد، لكنها لم تحسم السؤال الأساسي، وهو من يستطيع تشكيل حكومة تحظى بدعم برلماني يكفي لاستمرارها.

ولا يمكن اعتبار حل البرلمان خطأً في حد ذاته، فهو خيار دستوري متاح للرئيس. غير أن نتائجه ليست مضمونة، وقد تزيد الانقسام بدل أن تنهيه. كما يمنع الدستور إجراء حل جديد خلال السنة التالية للانتخابات التي تترتب على الحل السابق.

طريق مسدود

لقد صُممت الجمهورية الخامسة للحد من عدم الاستقرار الحكومي الذي عرفته الجمهورية الرابعة. غير أن نظامًا يمنح الرئيس صلاحيات واسعة يحتاج، في الظروف التي يغيب فيها الدعم البرلماني، إلى تفاهمات سياسية لا توفرها النصوص الدستورية وحدها.

ويظل الخروج من الأزمة مرتبطًا بقدرة الأحزاب على الاتفاق على أولويات قابلة للتنفيذ، وباستعداد الحكومة للتفاوض مع المعارضة، وبقدرة الرئيس على التعامل مع برلمان لا يملك فيه معسكره أغلبية مضمونة.

في النهاية، لا تعيش فرنسا أزمات حكومية متكررة بسبب ضعف مؤسساتها وحده، ولا بسبب خلافات شخصية بين السياسيين فحسب. إنها تواجه صعوبة في التوفيق بين نظام يمنح السلطة التنفيذية دورًا قويًا ومشهد حزبي متعدد لا ينتج أغلبية مستقرة بسهولة.

Related posts

الجزائر: قاض يتعرض لطلق ناري داخل مكتبه

marwa

هكذا سيكون الطقس اليوم

صابر الحرشاني

بسبب «أنشطة تخريبية».. بوركينا فاسو تطرد الملحق العسكري الفرنسي

محمد بن محمود

Leave a Comment