21.1 C
تونس
20 أكتوبر، 2026
الصفحة الأولى دولي

من احتجاجات فرنسا إلى الحرب مع إيران: كيف تتداخل أزمات أوروبا مع حسابات روسيا؟

صابر الحرشاني

تتقاطع الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا ودول أوروبية أخرى مع اضطرابات أسواق الطاقة والحرب في الشرق الأوسط واستمرار المواجهة الروسية الأوكرانية. لكن فهم هذه العلاقة يقتضي التمييز بين أسباب الغضب الاجتماعي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحروب، ومحاولات القوى الدولية استثمار الانقسامات الأوروبية.

وحين يخرج الطلاب والعمال وأصحاب الدخل المحدود إلى الشوارع، فإن دوافعهم تبدأ عادة من مشكلات ملموسة: أجور لا تواكب الأسعار، ومدارس تعاني نقص الموارد، وسكن ترتفع تكلفته، وخدمات عامة لا تلبي التوقعات.

ولكن هذه المطالب المحلية لا تنفصل تماما عن عالم تتسع فيه المواجهات العسكرية وتتقلب فيه أسواق الطاقة. فالحرب في الشرق الأوسط يمكن أن ترفع تكلفة الوقود والنقل، والحرب الروسية الأوكرانية أعادت تشكيل علاقة أوروبا بمصادر الطاقة وأولوياتها الأمنية. وعندما تتراكم هذه الضغوط، تصبح مهمة الحكومات الأوروبية أكثر صعوبة.

من الشرق الأوسط إلى فاتورة الطاقة الأوروبية

وتُعدّ الطاقة من أوضح المسارات التي تربط الحروب بالأوضاع الاقتصادية في أوروبا. فاضطراب إمدادات النفط والغاز أو تهديد طرق نقلهما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع، حتى في الدول التي لا تشارك في القتال ولا تستورد معظم احتياجاتها مباشرة من منطقة النزاع.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عندما تتأثر الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة النفط العالمية وشحنات الغاز الطبيعي المسال. فأي اضطراب طويل في حركة الإمدادات يرفع المخاطر التي تواجهها الأسواق، ويزيد المنافسة بين الدول المستوردة على الشحنات المتاحة.

وتنعكس هذه الضغوط على قطاعات متعددة. فارتفاع أسعار الوقود يزيد تكاليف النقل، كما ترتفع كلفة الإنتاج بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على الطاقة. وقد تنتقل هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، بحسب قدرة الشركات على امتصاص التكاليف وطبيعة الأسواق.

بالنسبة إلى الأسر الأوروبية، لا تظهر الأزمة دائمًا في صورة ارتفاع مباشر في فاتورة الوقود فقط، بل قد تتجلى أيضًا في تكاليف الغذاء والنقل والتدفئة والخدمات. وعندما تتزامن هذه الزيادات مع ضعف نمو الأجور أو تراجع القدرة الشرائية، يصبح الغضب الاجتماعي أكثر حدة.

لكن من الضروري عدم اختزال كل احتجاج في الحرب الإيرانية فالضغوط المتعلقة بالسكن والأجور والتعليم والخدمات العامة سبقت التصعيد العسكري، وإن كان اضطراب الطاقة قادرًا على تعميقها.

وتعرف فرنسا منذ الأيام الاخيرة احتجاجات بدأت بمطالب تتعلق بظروف التعليم ونقص الموارد في المدارس، ثم اتسعت لتشمل الغلاء وأسعار الوقود والأجور والخدمات العامة جمعت بين طلاب ونقابيين ونشطاء، في مشهد أعاد إلى الواجهة أشكالًا من التعبئة الاجتماعية التي عرفتها البلاد في السنوات الماضية.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن الاحتجاج لا يظل دائمًا محصورًا في المطلب الذي أطلقه. فعندما يرى المواطنون أن مشكلات مختلفة تعود إلى شعور مشترك بتراجع القدرة على العيش الكريم، يمكن أن تتقاطع مطالبهم في حركة أوسع.

ومع ذلك، لا يعني اتساع الاحتجاجات أن جميع المشاركين يتبنون الموقف السياسي نفسه، أو أنهم يتفقون على أسباب الأزمة وحلولها فقد يطالب الطلاب بتحسين التعليم، بينما يركز العمال على الأجور، ويعترض أصحاب السيارات على تكلفة الوقود. وما يجمع هذه الفئات قد يكون حجم الضغط الاقتصادي، لا وجود برنامج سياسي موحد بينها.

وهنا تواجه الحكومة معضلة حقيقية حول كيفية الاستجابةللمطالب الاجتماعية وتحافظ في الوقت نفسه على توازن الميزانية؟ فالإنفاق على الخدمات والدعم يخفف بعض الأعباء، لكنه يفرض تكاليف مالية، بينما قد يؤدي التقشف إلى زيادة الاستياء إذا شعر المواطنون بأنهم يتحملون الجزء الأكبر من ثمن الأزمة.

 روسيا وأوروبا و إرث الحرب الأوكرانية

و منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فيفري 2022، عملت الدول الأوروبية على تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية وتنويع مصادر الإمدادات. وأدى ذلك إلى تغييرات واسعة في أسواق الغاز وفي السياسات المتعلقة بالأمن الطاقي.

لكن تقليص الاعتماد على مصدر بعينه لا يعني أن أوروبا أصبحت محصنة ضد الصدمات الخارجية. فالنفط والغاز يُتداولان في أسواق دولية مترابطة، وقد يؤدي اضطراب الإمدادات من منطقة إلى زيادة المنافسة على مصادر بديلة في مناطق أخرى.

وتضيف الحرب في الشرق الأوسط طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا المشهد. فارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد كلفة الإنتاج والنقل في أوروبا، بينما تواجه الحكومات في الوقت نفسه أسئلة بشأن الإنفاق الدفاعي، واستمرار دعم أوكرانيا، وتوفير الموارد اللازمة للخدمات العامة.

وهذه الأولويات ليست متناقضة بالضرورة، لكنها تتنافس على موارد مالية وسياسية محدودة. وكلما ازدادت الضغوط على الموازنات العامة، أصبح من الأصعب إقناع المواطنين بقرارات قد تبدو بعيدة عن احتياجاتهم اليومية.

كما أن الخلاف حول السياسة الخارجية يمكن أن يتحول إلى موضوع للصراع الداخلي. فبعض الأحزاب يدعو إلى استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، بينما يطالب آخرون بإعادة النظر في حجمه أو في تكلفته، وقد تربط أطراف سياسية بين هذه النفقات والضغط على الخدمات الاجتماعية.

لكن هذا النقاش لا يثبت أن الاحتجاجات من صنع روسيا، بل يوضح كيف يمكن للحروب أن تؤثر في النقاش السياسي الأوروبي من دون أن تكون السبب المباشر لكل أزمة داخلية.

 ومن مصلحة موسكو، من الناحية الاستراتيجية، أن تواجه الحكومات الأوروبية صعوبة في الحفاظ على وحدة مواقفها بشأن أوكرانيا والعقوبات والأمن. غير أن وجود مصلحة سياسية لا يكفي وحده لإثبات أن روسيا نظمت احتجاجًا بعينه أو تسببت في اندلاعه.

وتظهر أهمية هذا التمييز عند النظر إلى النشاط الإعلامي عبر الإنترنت. فالمعلومات المضللة، والحسابات التي تضخم روايات بعينها، والمحتوى الذي ينتقي مشاهد العنف أو الأزمات الاقتصادية، يمكن أن تزيد حدة الاستقطاب وتضعف الثقة في المؤسسات.

لكن تداول رواية موالية لروسيا لا يعني بالضرورة أن موسكو تقف وراء الحساب الذي نشرها، كما أن تضخيم احتجاج قائم يختلف عن تنظيمه أو تمويله. وإثبات التدخل المباشر يحتاج إلى أدلة على التنسيق أو التمويل أو التوجيه، لا مجرد تشابه في المواقف أو الخطاب.

وقد أظهر تقرير نشرته صحيفة «لوموند» في سبتمبر  2026 أن دعوات احتجاجية انتشرت عبر حسابات ومنشورات مشبوهة على تيك توك، في سياق الغضب من أسعار الوقود، بينما وجدت الهيئة الفرنسية المختصة بمراقبة التدخل الرقمي الخارجي مؤشرات محدودة على تأثير أجنبي في تلك الحملة.

وتثير الحرب الإيرانية أسئلة بشأن انعكاساتها على روسيا، خصوصًا من زاوية أسواق الطاقة والموارد العسكرية والاهتمام الدبلوماسي الغربي.

فإذا ارتفعت أسعار النفط، قد تستفيد الدول المصدرة من زيادة الإيرادات، بحسب حجم صادراتها وشروط البيع والعقوبات المفروضة عليها. وفي المقابل، تواجه الدول المستوردة تكاليف إضافية، وقد تضطر إلى اتخاذ تدابير لحماية الأسر والقطاعات الأكثر تأثرًا.

كذلك يمكن لاتساع المواجهات في الشرق الأوسط أن يغيّر أولويات الولايات المتحدة وحلفائها، وأن يفتح نقاشًا بشأن توزيع الموارد والاهتمام السياسي بين جبهات متعددة. وقد تراقب موسكو هذه التطورات لما لها من انعكاسات على الحرب في أوكرانيا وعلى تماسك المواقف الغربية.

لكن تقاطع المصالح لا يثبت وجود استراتيجية موحدة بين روسيا وإيران لإثارة الاحتجاجات الأوروبية. فإثبات مثل هذا الادعاء يحتاج إلى معلومات موثوقة عن التنسيق والأهداف والوسائل المستخدمة، ولا يمكن استنتاجه من مجرد تزامن الأحداث أو استفادة طرف ما من نتائجها.

والأدق هو النظر إلى هذه الحروب باعتبارها عوامل تغيّر البيئة الدولية، وتخلق فرصًا ومخاطر جديدة للدول، بينما تظل لكل أزمة اجتماعية أسبابها المحلية ومساراتها الخاصة.

Related posts

فرنسا لنتنياهو: الهجوم على رفح فكرة سيئة

محمد بن محمود

ضربة مصرية تركية للدولار.. هل تتجه القاهرة وأنقرة للعملات المحلية قريبا؟

محمد بن محمود

تعرف على خطة ميقاتي لإحلال السلام في الشرق الأوسط

Walid Walid

Leave a Comment