صابر الحرشاني
تتصاعد شكاوى التونسيين في رمضان من ارتفاع اسعار المواد استهلاكية ، في وقت تؤكد فيه السلطات تكثيف الرقابة وضبط هوامش الربح.
وتشير المعطيات المتداولة في الاسواق الى تسجيل زيادات متفاوتة في اسعار اللحوم والخضر والغلال منذ الايام التي سبقت حلول الشهر، ثم تواصل المنحى التصاعدي خلال الاسبوع الاول من رمضان حيث يلاحظ المستهلك ارتفاع سعر اللحوم الحمراء و البيضاء ، كما يلاحظ تذبذب اسعار عدد من الخضر واسعة الاستهلاك الى جانب الغلال.
وتعكس هذه التطورات ضغطا مباشرا على ميزانية الاسرة، خاصة في ظل ثبات الاجور وارتفاع مصاريف اخرى ، حيث يقر عديد المواطنين بان كلفة القفة الرمضانية ارتفعت مقارنة بالعام الماضي، ويؤكدون انهم اضطروا الى مراجعة قائمة المشتريات والتركيز على المواد الاساسية .
ارقام التضخم وضغط المواد الغذائية
و تظهر بيانات المعهد الوطني للاحصاء ان نسبة التضخم في الاشهر الاخيرة بقيت مدفوعة اساسا بارتفاع اسعار المواد الغذائية حيث تسجل مجموعة التغذية والمشروبات زيادات تفوق المعدل العام، وهو ما يفسر احساس المستهلك بوطاة الغلاء بشكل اكبر خلال رمضان حيث يرتفع الطلب على هذه المواد.
وترتبط هذه الزيادات بعدة عوامل من بينها كلفة الانتاج المرتفعة، وارتفاع اسعار الاعلاف والطاقة، وتكاليف النقل والتخزين ويوضح مهنيون في قطاع اللحوم ان كلفة تربية الماشية ارتفعت خلال الاشهر الماضية، ما انعكس مباشرة على سعر البيع للعموم. كما يشير بعض تجار الخضر والغلال الى تاثير التقلبات المناخية على الانتاج، وهو ما قلص العرض في فترات معينة.
ويؤكد خبراء اقتصاد ان الضغط الموسمي في رمضان يفاقم اختلال التوازن بين العرض والطلب، فيرتفع الاستهلاك بشكل لافت خلال فترة قصيرة، ما يفتح المجال امام زيادات في الاسعار اذا لم يقابل ذلك بتزويد كاف ومنتظم للسوق.
كما ينعكس ارتفاع أسعار بعض الغلال خلال رمضان الحالي على محدودية المعروض الموسمي. فخلال هذا الشهر، تشهد الأسواق زيادة في الطلب الخضروات و الغلال الموسمية، بينما يكون جزء من هذه الغلال في نهاية موسمها أو خارج موسمه الطبيعي.
ويدفع هذا النقص في المعروض، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، الأسعار إلى مستويات مرتفعة، فبعض المنتجات غير الموسمية يتم استيرادها أو انتاجها في البيوت المحمية بتكاليف أعلى، ما يزيد الضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين، و بذلك تجد الأسر نفسها مضطرة الى تقليص الكميات أو البحث عن بدائل أرخص.
رقابة رسمية و مشاكل هيكلية
و تعلن وزارة التجارة عن تنفيذ برنامج خصوصي لمراقبة الاسواق خلال شهر رمضان، وتفيد في بلاغاتها الدورية بتسجيل مخالفات تتعلق بعدم اشهار الاسعار او الترفيع غير القانوني فيها او الاخلال بقواعد المنافسة. كما تؤكد حجز كميات من المواد في حالات احتكار او مسالك توزيع غير قانونية.
وتقر الوزارة كذلك بضبط هوامش ربح قصوى لبعض المنتجات الاساسية، وتعلن عن تامين كميات اضافية من اللحوم والدواجن والخضر عبر نقاط بيع من المنتج الى المستهلك. غير ان عديد المواطنين يعتبرون ان تاثير هذه الاجراءات يظل محدودا في بعض المناطق، خاصة مع استمرار الفارق بين الاسعار من سوق الى اخرى.
ويرى مختصون ان اشكال الاسعار لا يرتبط فقط بالرقابة الميدانية، بل يتصل ببنية مسالك التوزيع وتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك. يشيرون الى ان طول السلسلة يرفع الكلفة تدريجيا، ما يجعل السعر النهائي اعلى من قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
تغير في سلوك المستهلك
ويدفع الغلاء المستهلك الى تعديل سلوكه الشرائي بشكل واضح حيث يلاحظ التجار تراجعا في الكميات المقتناة من اللحوم الحمراء مقارنة ببداية السنوات الماضية، كما يلاحظون اقبالا اكبر على المواد الاقل سعرا مثل وبعض البدائل الغذائية.
وتفيد تقارير حول السلوك الاستهلاكي ان البعض من ربات البيوت خفضن من عدد الاطباق اليومية واكتفين بالاساسيات، كما حرصن على تجنب التبذير واستغلال بقايا الطعام في وجبات لاحقة. يعكس هذا السلوك وعيا بضرورة التحكم في المصاريف، لكنه يعكس ايضا حجم الضغط الذي تعيشه الاسرة خلال هذا الشهر.
وتسجل بعض الفضاءات التجارية المنظمة اقبالا بحثا عن عروض مخفضة، فيما يلجا اخرون الى الاسواق الاسبوعية لمقارنة الاسعار فيما يعمد عدد من المستهلكين الى تقسيم مشترياتهم على ايام متعددة بدل اقتناء كميات كبيرة دفعة واحدة، تفاديا للمفاجات غير المتوقعة في الاسعار.
ويؤثر استمرار الغلاء على المناخ الاجتماعي العام، حيث يتحول موضوع الاسعار الى محور نقاش يومي في البيوت ووسائل النقل ووسائل التواصل الاجتماعي ويعبر مواطنون عن تخوفهم من تواصل المنحى التصاعدي بعد رمضان، خاصة مع اقتراب مواسم استهلاكية اخرى.
ومع تصاعد نسق الأسعار بات من المهم التأكيد على ضرورة نبذ وتجنب ثقافة الربح السريع والمضاربة على حساب المستهلكين، الى جانب حث التجار على الاكتفاء بهوامش ربح معقولة تضمن استدامة تجارتهم دون زيادة العبء على الأسر، مع مراعاة خصوصية الشهر الفضيل الذي يتميز بروح التضامن والتكافل. ومن الواضح أن ضبط الأسعار لا يقتصر على الرقابة فحسب، بل يشمل الوعي الاجتماعي والأخلاقي، فاعتماد ممارسات تجارية عادلة يعزز الثقة بين الباعة والمستهلكين ويجعل رمضان مناسبة لإعلاء القيم الإنسانية والروحية بعيداً عن الضغوط المادية والاحتكار.
