اعاد تصريح النائب علي زغدود في مجلس نواب الشعب حول ضرورة تثمين لحوم الابل تسليط الضوء على قطاع فلاحي ظل لسنوات طويلة على هامش السياسات الفلاحية والاستهلاكية في تونس.
وقد دعا النائب خلال جلسة برلمانية الثلاثاء الماضي الى تشجيع استهلاك لحوم الابل باعتبارها موردا غذائيا متاحا يمكن ان يساهم في التخفيف من ازمة اللحوم الحمراء التي تعاني منها البلاد، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للاسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
ولئن بدا هذا الطرح للبعض غير مألوف بالنظر الى ان استهلاك لحم الابل لا يدخل تقليديا ضمن العادات الغذائية السائدة في اغلب مناطق البلاد، فان النقاش الذي فتحه يعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة هذا القطاع على لعب دور في تعديل سوق اللحوم الحمراء وتنويع مصادر البروتين الحيواني في تونس.
فالبلاد تعيش منذ سنوات ازمة حقيقية في منظومة اللحوم الحمراء، انعكست مباشرة على حجم الاستهلاك وعلى الاسعار في السوق. وفي هذا السياق يبرز التساؤل حول ما اذا كان التوجه نحو تثمين لحوم الابل يمكن ان يشكل حلا جزئيا لهذه الازمة ام انه سيظل مجرد خيار محدود الانتشار.
البحث عن بدائل في ظل ازمة اللحوم الحمراء
و تظهر الارقام المتعلقة بالاستهلاك الغذائي في تونس ان اللحوم الحمراء تحولت خلال السنوات الاخيرة الى منتج شبه نادر على موائد العديد من العائلات. فقد تراجع معدل استهلاك الفرد التونسي من اللحوم الحمراء بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي نتيجة الارتفاع المتواصل في الاسعار. وتشير المعطيات المتوفرة الى ان الاستهلاك السنوي للفرد انخفض من نحو 11 كيلوغراما سنة 2015 الى حوالي 6 كيلوغرام فقط في السنوات الاخيرة.
كما يؤكد مهنيون في القطاع ان هذا المستوى من الاستهلاك يعد ضعيفا جدا مقارنة بالمعايير العالمية، اذ لا يتجاوز استهلاك التونسي للحوم الحمراء في المتوسط بين 6 و7 كيلوغرامات سنويا، في حين يبلغ استهلاك اللحوم البيضاء حوالي 18 الى 19 كيلوغراما للفرد سنويا.
ويعكس هذا التحول في الواقع تغيرا واضحا في العادات الغذائية نتيجة الضغوط الاقتصادية، حيث باتت اللحوم البيضاء وخاصة الدجاج الخيار الاكثر انتشارا لدى العائلات التونسية بسبب انخفاض سعرها مقارنة باللحوم الحمراء.
لكن هذا التحول لا يلغي الحاجة الى البحث عن مصادر بديلة للحوم الحمراء يمكن ان توفر قيمة غذائية مماثلة باسعار اقل. وهنا يبرز قطاع تربية الابل كاحد الخيارات التي يعتقد بعض المختصين انها تستحق مزيدا من الاهتمام.
وتضم المناطق الجنوبية في تونس، خاصة ولايات مدنين وقبلي وتطاوين وقابس، تضم منذ قرون تقاليد راسخة في تربية الابل، غير ان هذا النشاط ظل موجها اساسا نحو الاستعمال المحلي ولم يتحول الى قطاع اقتصادي واسع كما هو الحال في بعض الدول العربية او الافريقية.
قطاع مهمش
و يتميز قطاع تربية الابل بخصائص تجعل منه نشاطا ملائما للبيئة الصحراوية وشبه الصحراوية التي تميز جزءا مهما من التراب التونسي، فالابل قادرة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية وعلى استهلاك نباتات رعوية لا يمكن للماشية الاخرى الاستفادة منها.
وتشير بعض التقديرات الفلاحية الى ان القطيع الوطني من الابل محترم، ويتمركز اغلبه في الجنوب الشرقي للبلاد، حيث يشكل موردا اقتصاديا تقليديا لعدد من العائلات التي تعتمد على الرعي والتنقل الموسمي.
ويعاني القطاع منذ سنوات من عدة صعوبات اهمها ضعف مسالك التوزيع وغياب منظومة منظمة لتسويق اللحوم ومشتقات الابل، كما ان الاستهلاك يبقى محدودا جغرافيا في بعض المناطق الجنوبية، في حين يظل ضعيفا في المدن الكبرى وفي الشمال.
وقد اتجهت السلطات خلال السنوات الاخيرة الى اطلاق بعض المبادرات لتشجيع استهلاك لحوم الابل وتوسيع توزيعها. ومن بين هذه المبادرات توقيع اتفاقيات بين شركة اللحوم ومربي الابل في الجنوب بهدف ادراج هذا المنتج ضمن مسالك التوزيع العصرية وتوفيره في نقاط بيع الشركة في تونس الكبرى.
وتهدف هذه الخطوة اساسا الى التعريف بهذا المنتج لدى المستهلكين وتشجيعهم على ادراجه ضمن نظامهم الغذائي، خاصة اذا ما ثبت انه قادر على المساهمة في تعديل اسعار اللحوم الحمراء.
مزايا غذائية واقتصادية
ويؤكد خبراء التغذية ان لحم الابل يتمتع بعدة خصائص غذائية تجعله منافسا حقيقيا لبقية انواع اللحوم الحمراء. فهو غني بالبروتينات ويحتوي على نسبة اقل من الدهون مقارنة بلحم البقر او الضأن، كما يتميز بارتفاع نسبة الحديد وبعض الفيتامينات الضرورية.
وتشير بعض الدراسات الى ان نسبة الدهون في لحم الابل قد تكون اقل بنحو 30 الى 50 بالمائة مقارنة ببعض انواع اللحوم الحمراء الاخرى، وهو ما يجعله خيارا صحيا افضل لبعض الفئات التي تعاني من مشاكل مرتبطة بالكوليسترول او امراض القلب.
كما انه من الناحية الاقتصادية فان تكلفة تربية الابل يمكن ان تكون اقل نسبيا في المناطق الصحراوية بسبب اعتمادها الكبير على المراعي الطبيعية، وهو ما قد ينعكس على السعر النهائي للحوم في السوق اذا تم تنظيم القطاع بشكل جيد.
وتتميز ايضا الابل بقدرتها على انتاج كميات معتبرة من اللحم عند الذبح، اذ يمكن ان يصل وزن اللحم الصافي في بعض الحالات الى مئات الكيلوغرامات، وهو ما يجعلها موردا مهما في حال تطوير منظومة الانتاج والتوزيع.
لكن رغم هذه المزايا تبقى العقبة الرئيسية امام انتشار استهلاك لحوم الابل مرتبطة بالجانب الثقافي والعادات الغذائية اذ لا يتعلق الامر فقط بتوفر المنتج او سعره، بل ايضا بالعادات الاستهلاكية التي ترسخت لدى المجتمع عبر عقود طويلة. فالمائدة التونسية تقوم تقليديا على لحوم الضأن والبقر في حين تبقى لحوم الابل مرتبطة اكثر بالمناطق الصحراوية او ببعض المناسبات الخاصة، كما ان بعض المستهلكين ينظرون الى هذا النوع من اللحوم على انه قاس او يحتاج الى طرق طبخ مختلفة، وهو ما قد يحد من انتشاره في المطابخ الحضرية.
وفي هذا السياق يرى بعض المختصين ان تطوير قطاع لحوم الابل في تونس يتطلب قبل كل شيء وضع استراتيجية متكاملة تشمل تحسين الانتاج وتنظيم مسالك التوزيع وتعريف المستهلكين بقيمته الغذائية.
