شكلت الجلسة البرلمانية التي صادق خلالها مجلس نواب الشعب على 5 اتفاقيات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية لحظة سياسية واقتصادية كشفت عمق السؤال الطاقي في تونس. و بعيدا عن الصراعات ذات المنحى الايديولوجي كشف النقاش العام عن سؤال جوهري مفاده كيف يمكن للبلاد أن تؤمن حاجياتها من الطاقة، وتقلص عجزها المتفاقم، وتحافظ في الآن ذاته على سيادتها وتستقطب الاستثمار؟
مقاربة واقعية
الانقسام الذي برز داخل البرلمان بين مؤيدين ورافضين يعكس في الحقيقة جدلا أوسع داخل المجتمع، فهناك من يرى في هذه المشاريع فرصة لتدارك التأخر في الانتقال الطاقي وتخفيف الضغط على المالية العمومية، وهناك من يخشى أن تتحول بعض الصيغ التعاقدية إلى تبعية جديدة أو تنازل غير محسوب عن القرار الوطني. وبين الموقفين، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة واقعية تجمع بين السرعة واليقظة، وبين الانفتاح والحماية.
و الرسالة الأبرز التي صدرت خلال النقاش جاءت في عبارة وزير الاقتصاد والتخطيط حين قال إنه لا سيادة وطنية دون سيادة طاقية وهذه العبارة تبدو انها تختصر جوهر الإشكال، فالدولة التي تعتمد بشكل واسع على توريد الغاز والمحروقات لإنتاج الكهرباء تبقى رهينة تقلبات الأسعار الدولية، والتوترات الجيوسياسية، وضغط العملة الصعبة. وفي كل أزمة عالمية، تتحول الفاتورة الطاقية إلى عبء ثقيل ينعكس على الميزانية وعلى الأسعار وعلى قدرة الدولة على الاستثمار في قطاعات أخرى.
ومن هذا المنطلق، يصبح الانتقال الطاقي ضرورة سيادية واقتصادية. ويعني إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح فيما يعني تقليص الحاجة إلى الاستيراد، وتخفيف الضغط على الاحتياطي من النقد الأجنبي، وتحسين القدرة على التخطيط المالي بعيدا عن مفاجآت السوق الدولية، كما يعني أيضا تنويع مصادر الطاقة بدل الارتهان لمصدر واحد أو مسار واحد.
لكن أهمية القرار لا تلغي مشروعية الأسئلة التي طرحها المعترضون، ففي تجارب كثيرة حول العالم، يمكن أن تتحول المشاريع الكبرى إلى مكاسب حقيقية إذا أحسن تصميمها، أو إلى أعباء إذا غابت الشفافية والحوكمة، لذلك فإن التخوف من الشروط التعاقدية، ودور الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ونسبة استفادة المستثمر المحلي، وآليات تحويل الأرباح، كلها قضايا مشروعة تجعل النقاش ظاهرة صحية.
و لعل الاشكال الابرز في الملف الطاقي في بلادنا أن الوقت لم يعد حليفا، فنسبة الطاقات المتجددة ما تزال محدودة مقارنة بالإمكانات الطبيعية التي تملكها البلاد من شمس ومساحات وموقع جغرافي، وكل سنة تأخير تعني مزيدا من الواردات، ومزيدا من الدعم غير المباشر، ومزيدا من هشاشة المنظومة الكهربائية. لذلك فإن منطق الانتظار الدائم قد يكون أكثر كلفة من منطق القرار المصحوب بالرقابة.
ضرورة التسريع
و تبرز فكرة تسريع الانتقال الطاقي كأولوية وطنية، ذلك أن التسريع هو بمثابة اختصار التعطيل الإداري، وتوضيح الرؤية للمستثمرين، وتعديل النصوص القانونية، وتعبئة التمويل، وتحسين البنية التحتية للشبكة الكهربائية. فالعديد من المشاريع لا تسقط بسبب غياب الفكرة، بل بسبب بطء الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وعدم استقرار الإشارات السياسية، وهنا نصل إلى عنصر لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو القوانين، وهو الثقة لان المستثمر، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، لا يضع أمواله في قطاع يحتاج إلى عشرات الملايين أو مئات الملايين من الدنانير إذا كان المناخ ضبابيا، و الثقة تبنى حين تكون الدولة واضحة في خياراتها، ومستقرة في قراراتها، وسريعة في إجراءاتها، وقادرة على احترام التزاماتها التعاقدية.
ويرى عدد من المتابعين انه عندما يسمع المستثمر خطابا متناقضا بين مؤسسات الدولة، أو يرى أن كل مشروع يتحول إلى معركة سياسية مفتوحة، أو يلاحظ أن التراخيص تتعطل سنوات، فإنه يعيد حساباته. رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار والوضوح. ولذلك فإن طمأنة المستثمرين ليست تنازلا عن السيادة كما يروج البعض، بل أداة لخدمة المصلحة الوطنية إذا تمت ضمن قواعد شفافة تحفظ حقوق الدولة.
و الثقة المطلوبة ليست موجهة للمستثمر فحسب، بل للمواطن أيضا لان المواطن يريد أن يعرف ما ان كانت ستنخفض كلفة الكهرباء و ما ان ستخلق المشاريع وظائف هل ستستفيد الجهات الداخلية؟ هل ستعود المنشآت للدولة لاحقا؟ و هل هناك رقابة على الأسعار والجودة؟ كلما و كلما توفرت الإجابات، تراجعت مساحة الشك والتوظيف السياسي.
وفي هذا السياق، تبدو المصادقة البرلمانية خطوة أولى لا أكثر. فالنجاح الحقيقي يبدأ بعد التصويت، في مرحلة التنفيذ، فكم من مشروع تمت المصادقة عليه ثم تعثر على الأرض؟ وكم من اتفاقية واعدة اصطدمت بالإدارة أو التمويل أو النزاعات العقارية؟ لذلك فإن المحك الحقيقي سيكون في احترام الآجال المعلنة، خصوصا إذا كانت الانطلاقة في 2026 والاستغلال في 2027 كما أعلن كاتب الدولة للانتقال الطاقي وائل شوشات.
و تبدو بلادنا مطالبة بعدم الاكتفاء بدور السوق المستقبلة للمستثمرين، بل بالعمل على خلق نسيج صناعي وخدماتي محلي حول الطاقات المتجددة و تصنيع بعض المكونات، و تكوين اليد العاملة المختصة، تشجيع مكاتب الدراسات الوطنية و، دعم البحث العلمي، وتمكين المؤسسات الصغرى والمتوسطة من الاندماج في السلسلة الاقتصاديةو هكذا فقط يتحول الاستثمار الخارجي من مشروع معزول إلى رافعة تنمية.
ومن المهم أيضا أن يكون للمستثمر التونسي مكان فعلي في هذا التحول، فإذا بقي القطاع حكرا على رؤوس الأموال الكبرى أو الشركات الأجنبية، ستتغذى الانتقادات مستقبلا أما إذا توفرت آليات تمويل وشراكات تسمح للفاعلين المحليين بالدخول، فإن الانتقال الطاقي سيصبح مشروعا وطنيا جامعا.
في النهاية، قد لا يمكن لبلادنا أن تربح معركة الطاقة بخطاب التخويف ولا بخطاب التهوين حيث ان المطلوب هو واقعية شجاعة تعترف بأن البلاد متأخرة وتحتاج إلى تسريع، وتعترف أيضا بأن الثقة لا تمنح مجانا بل تبنى بالمؤسسات والقانون والشفافية.
