28.4 C
تونس
2 يونيو، 2026
الصفحة الأولى مجتمع

حين تتراجع العائلة…من يربي ابناءنا؟

يسجل الوسط المدرسي من فترة الى اخرى حوادث عنف متواترة ينخرط فيها تلاميذ، ما يثير السؤال حول مسؤولية الاسرة باعتبارها المدرسة الاولى للتنشئة الاجتماعية.

والسؤال حول دور الاسرة في تربية الأبناء لا يقتصر على ظاهرة العنف المدرسي، بل يكاد أن يتحول هذا السؤال الى استفهام يومي يطرحه الجميع تفاعلا مع مختلف تعبيرات الناشئة والشباب في المجتمع، وخاصة منها ماهو مرتبط بممارسات عنيفة او سلبية.

وليس خفيا ملاحظة انتشار العديد من الظواهر التي تعصف بشبابنا، والتي يتجدد معها الالحاح في السؤال بشأن مسؤولية العائلة في ذلك، والظواهر عديدة ومتعددة، وتشمل استهلاك المواد المخدرة، والجنوح الى العنف، والتورط في السرقات والاعتداء، وعدم الاستحياء من التفوه بالكلام البذيء في الاماكن العامة والخاصة والتواكل وانعدام روح المسؤولية، وغيرها من السلوكات الذميمة.

وغالبا ما تذهب فئات عمرية ما الى المقارنات بين هذا الجيل والاجيال التي سبقته، لتختلف التفسيرات في محاولة فهم الظاهرة، لكنها تجمع على وجود حالة من الانفلات غير المسبوقة والمتصاعدة واختلال ما في تربية الناشئة والشباب.

وعادة ما تذهب القراءات التي انصبت في دراسة الظاهرة سواء تلك التي انبنت على التمثلات الاجتماعية او تركزت على مقاربات الخبراء واهل الاختصاص في تحميل المسؤولية الى مختلف مدارس التنشئة الاجتماعية وتكون الاسرة الاقل اتهاما، وهذا بدورة دافعا في تجدد السؤال بشأن دور العائلة في تربية الابناء وتأطيرهم.

وفي ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها أبناؤنا في العصر الحديث، يصبح دور الأولياء في حماية أبنائهم وتأطيرهم أكثر أهمية وإلحاحا من أي وقت مضى، حيث إن التطورات التكنولوجية، والانفتاح على العالم الرقمي، والتغيرات الاجتماعية والثقافية السريعة، كلها عوامل تفرض على الأسرة دوراً محوريا في توجيه الأبناء وتحصينهم ضد المخاطر المحتملة.

وصحيح ان العائلة اليوم لم تعد هي عائلة الامس، بيد أن هذا الحكم لا يعفيها على الاطلاق من تحمل مسؤولياتها كاملة في زرع بذرة القيم في فلذات اكبادهم وتهذيب سلوكاتهم في المهد، لتجنيبهم ممارسات الانحراف في مختلف مراحلهم العمرية.

وعلى المستوى النظري تلعب الأسرة، بوصفها الخلية الأساسية في المجتمع، دورا جوهريا في تشكيل شخصية الطفل وبناء منظومته القيمية والأخلاقية، وبالتالي فإنّ دور الأولياء لا يقتصر فقط على توفير الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب ومأوى، بل يمتد ليشمل الإرشاد النفسي والتوجيه السلوكي وغيرها من أوجه التأطير الذي يحتاجه الأطفال في مثل هذا العمر الحساس.

ويقود استقراء البحوث المستجدة في علوم التربية الى الاستنتاج بأن حضور التأطير المبكر للأطفال من قبل اوليائهم وتربيتهم تربية سليمة من شأنه ان يقلل على الاقل من فرص الانحراف لديهم او ضلوعهم في الجنح والجنايات مع تقدمهم في العمر.

وما من شك في أن “الاستثمار” في الابناء هو أنبل الاستثمارات طالما أن المنافع التي يمكن ان تحصل منه هي جماعية وتهم بناء مجتمع متماسك ومترابط ومحكوم بقيم انسانية راقية، ومحصن من كل ما هو سلبي.

ومن الاجحاف القول بأن هذه المهمة، وهي مهمة تربية الابناء مهمة يسيرة، والحال وان هذا المجتمع قد شهدت تطورات متسارعة، تشتد وتيرتها بين يوم واخر الى درجة الاقتراب من فرضية انقطاع اليات التواصل بين الجيلين، جيل الاباء وجيل الابناء.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر تشتكي النخب من الانعكاسات السلبية للشاشات بمختلف انواعها سواء ان كانت هواتف او لوحات ذكية او اجهزة تلفاز على تربية ابنائهم، ودورها السلبي في تعويدهم على الانحراف والعنف والانحلال الاخلاقي، والحال وأن الولوج غير الامن الاول من الابناء الى هذا “العالم” قد حصل بإهمال او “مباركة” من العائلة.

ويبدو أن من أوكد المهمات المحمولة على العائلة هي تفعيل التواصل المفتوح والمستمر مع أبنائهم، من زاوية انّ الحوار الصادق والمستمر مع الأبناء يمكن أن يكون وسيلة جيدة لفهم احتياجاتهم ومشاكلهم وتطلعاتهم، وبالتالي تقديم الدعم المناسب لهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن مراقبة استخدام الأبناء لوسائل التواصل الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي وتوجيههم نحو الاستخدام الآمن والمفيد لتلك التقنيات، يمثل جزءا أساسيا من حماية الأطفال في العصر الرقمي.

علاوة على ذلك، يلعب الأولياء دورا بالغ الاهمية في تعزيز الثقة بالنفس لدى أبنائهم من خلال دعمهم وتشجيعهم على اكتشاف مواهبهم وتنمية مهاراتهم، حيث أن البيئة الأسرية الداعمة والمحفزة تساهم بشكل كبير في بناء شخصية مستقلة وقادرة على مواجهة التحديات في المستقبل.

والمؤكد ان دور الأولياء في حماية أبنائهم وتأطيرهم يستوجب جهدا مستمرا والكثير من الحكمة والصبر والقدرة على التكيف مع متغيرات العصر.

 

Related posts

40 منظمة إنسانية تتهم اسرائيل بعرقلة وصول المساعدات إلى غزة

صابر الحرشاني

الجامعة تندد بتخريب اسلاك “الفار”

صابر الحرشاني

رئيس الجمهورية يؤكد ضرورة أن تواكب الدول العربية التحولات الرقمية

صابر الحرشاني

Leave a Comment