صابر الحرشاني
يعد إدراج قرية سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي لليونسكو اعتراف دولي بأن هذا الموقع يمتلك “قيمة عالمية استثنائية” تستوجب حمايته باعتباره جزءا من التراث الإنساني المشترك.
وقد اتخذت لجنة التراث العالمي قرارها خلال دورتها الثامنة والأربعين المنعقدة بمدينة بوسان الكورية الجنوبية، لتصبح سيدي بوسعيد عاشر موقع تونسي على القائمة، وتعزز مكانة تونس ضمن الدول الإفريقية الأكثر امتلاكا لمواقع التراث العالمي.
لكن التجارب الدولية تؤكد أن الإدراج ليس نهاية الطريق، بل بدايته فالقيمة الحقيقية لهذا القرار ترتبط بما سيحدث بعده، في علاقة باستفسارات جوهرها هل يتحول إلى رافعة للتنمية المحلية والاقتصاد الثقافي، أم يظل مجرد إنجاز رمزي يضاف إلى السجل الدبلوماسي؟
اعتراف بقيمة استثنائية
و لطالما ارتبط اسم سيدي بوسعيد بالأبواب الزرقاء والبيوت البيضاء والمقاهي المطلة على خليج تونس، غير أن اليونسكو لا تعتمد في قراراتها على الشهرة أو الجاذبية السياحية، بل على معايير دقيقة تتعلق بالقيمة التاريخية والعمرانية والإنسانية.
وقد استند الملف التونسي إلى خصوصية القرية باعتبارها نموذجا متكاملا لقرية متوسطية حافظت على انسجامها المعماري والروحي منذ القرن الثامن عشر، مع استمرار العلاقة بين النسيج العمراني والطبيعة البحرية والمشهد الثقافي، إضافة إلى كونها من أوائل المواقع في المنطقة التي تمتعت بإطار قانوني خاص للحماية منذ سنة 1915.
بمعنى آخر، لم تدرج سيدي بوسعيد لأنها جميلة، بل لأنها تمثل نموذجا نادرا حافظ على أصالته عبر أكثر من قرن.
ماذا يعني الإدراج عمليا؟
كثيرون يعتقدون أن اليونسكو تمنح أموالا مباشرة للمواقع المدرجة، بينما الواقع أكثر تعقيدا.
فالمنظمة لا تقدم تمويلا تلقائيا، لكنها تمنح الموقع اعترافا دوليا يفتح أبوابا واسعة أمام برامج التمويل الدولية، ويزيد ثقة المؤسسات المانحة والمستثمرين، كما يرفع جاذبية الوجهة لدى السياح المهتمين بالثقافة والتراث.
وتشير دراسات صادرة عن اليونسكو ومنظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة إلى أن مواقع التراث العالمي تحقق في كثير من الدول زيادة في الإقبال السياحي، خاصة من أصحاب الإنفاق المرتفع الذين يقضون فترات أطول ويستهلكون خدمات ثقافية أكثر من السياحة التقليدية.
غير أن هذه المكاسب ليست مضمونة، إذ تختلف نتائجها باختلاف قدرة الدولة على إدارة الموقع وتطوير الخدمات المحيطة به.
الاقتصاد الثقافي هو المستفيد الأول
وإذا أحسنت بلادنا استثمار هذا التصنيف، فإن المستفيد لن يكون قطاع السياحة وحده. فالتجارب الدولية تظهر أن مواقع التراث العالمي تتحول تدريجيا إلى مراكز للاقتصاد الثقافي، حيث تنشط الصناعات التقليدية، والفنون، والنشر، والتصميم، والإنتاج السمعي البصري، والمهرجانات، والمنتجات المحلية.
وفي حالة سيدي بوسعيد، يمكن أن يتحول التصنيف إلى محرك لتنشيط الحرف التقليدية، ودعم الفنانين، وتطوير الصناعات الإبداعية، وربط القرية بمسارات ثقافية تشمل قرطاج والمدينة العتيقة والمواقع التاريخية المجاورة، بما يطيل مدة إقامة الزائر ويرفع قيمة إنفاقه.
في المقابل، يحمل الإدراج التزامات صارمة، فاليونسكو لا تكتفي بتسجيل الموقع، بل تتابع حالته بشكل دوري، ويمكن أن تطلب اتخاذ إجراءات تصحيحية إذا تعرضت قيمته الأصلية للتهديد.
وهذا يعني أن أي توسع عمراني غير منظم، أو تشويه للمشهد المعماري، أو ضغط سياحي مفرط، أو تراجع في أعمال الصيانة، قد يعرض الموقع لملاحظات دولية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى إدراجه ضمن قائمة التراث المهدد.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي يبدأ الآن، عبر فرض احترام قوانين البناء، ومراقبة الاستغلال التجاري، وحماية الهوية البصرية التي منحت سيدي بوسعيد شهرتها العالمية.
سكان القرية في قلب المعادلة
و تؤكد الأدبيات الحديثة لإدارة التراث أن نجاح أي موقع مدرج يرتبط بمدى استفادة السكان المحليين، فإذا ارتفعت أسعار العقارات بشكل مفرط، أو تحولت المساكن إلى فضاءات تجارية وسياحية، أو اضطر السكان إلى مغادرة المنطقة، فإن الموقع يفقد تدريجيا روحه الاجتماعية مهما بقيت مبانيه قائمة.
ولهذا أصبحت اليونسكو تشدد على مفهوم “الإدارة المستدامة”، أي تحقيق التوازن بين حماية التراث وتحسين جودة حياة السكان.
و ظلت السياحة التونسية لعقود تعتمد أساسا على المنتج الشاطئي، رغم ما تمتلكه البلاد من رصيد حضاري استثنائي.
ويمنح إدراج سيدي بوسعيد فرصة لإعادة توجيه جزء من التسويق السياحي نحو السياحة الثقافية، وهي من أكثر الأنماط نموا عالميا، كما أنها أقل تأثرا بالموسمية وأكثر قدرة على تحقيق قيمة مضافة.
كما يمكن استغلال هذا الإنجاز لتطوير عروض سياحية تربط بين التراث المادي والتراث غير المادي، من الموسيقى والمطبخ والفنون والحرف، بما يمنح الزائر تجربة متكاملة لا تقتصر على التقاط الصور.
ويستحق إدراج سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي الاحتفاء، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة للاكتفاء بالإنجاز الرمزي.
فالاعتراف الدولي يمنح تونس رأسمالا معنويا كبيرا، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها مسؤولية أكبر في صيانة الموقع، وإدارة الحركة السياحية، وإشراك السكان، وتحويل التراث إلى مورد اقتصادي مستدام.
لقد ربحت بلادنا معركة الإدراج، أما معركة الاستثمار الحقيقي في هذا المكسب، فهي التي تبدأ اليوم.
