7 سبتمبر، 2026
الصفحة الأولى دولي

بعد 4 قرون…افريقيا تستعيد حجمها على الخريطة

صابر الحرشاني

 

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعو إلى تعزيز استخدام إسقاطات خرائطية أكثر دقة في تمثيل مساحات القارات، مع تشجيع استخدام إسقاط Equal Earth ضمن الجهود الرامية إلى تقديم صورة أكثر إنصافا لأحجام المناطق الجغرافية.

 وحصل القرار على تأييد واسع داخل الجمعية العامة، في خطوة أعادت إلى الواجهة قضية تبدو للوهلة الأولى تقنية بحتة، لكنها ترتبط بصورة العالم في الوعي الجماعي وبالإرث التاريخي لصناعة الخرائط.

ويحمل القرار أهمية خاصة بالنسبة إلى إفريقيا، التي تظهر في الخرائط التقليدية بأبعاد بصرية لا تعكس مساحتها الحقيقية، وهنا تتقاطع الجغرافيا مع السياسة والثقافة والتاريخ، لأن الطريقة التي نرسم بها العالم تؤثر أيضا في الطريقة التي نتخيله ونفهم موقع أجزائه بعضها من بعض.

 

مركاتور… و تسطيح الكرة الأرضية 

 

و يعود إسقاط مركاتور إلى سنة 1569، عندما وضع الجغرافي والرسام الفلمنكي جيراردوس مركاتور إسقاطه الشهير لخدمة الملاحة البحرية. 

وقد امتلك هذا الإسقاط ميزة تقنية أساسية تتمثل في المحافظة على الزوايا والاتجاهات، الأمر الذي جعله بالغ الأهمية للبحارة ورسم المسارات البحرية.

لكن تحويل سطح الأرض الكروي إلى خريطة مسطحة يفرض تشوهات هندسية، ويزداد تشويه المساحات كلما اتجهنا نحو القطبين، لذلك تظهر مناطق مثل غرينلاند وأجزاء من شمال أوروبا وروسيا بأحجام أكبر بكثير من مساحاتها الفعلية مقارنة بالمناطق القريبة من خط الاستواء.

وتظهر المفارقة بوضوح عند مقارنة إفريقيا بغرينلاند. تبلغ مساحة إفريقيا نحو 30.4 مليون كيلومتر مربع، بينما تبلغ مساحة غرينلاند نحو 2.2 مليون كيلومتر مربع فقط، أي أن إفريقيا أكبر منها بنحو أربعة عشر ضعفا، بينما توحي بعض خرائط مركاتور بانطباع بصري مختلف تماما.

وترتبط هذه المسألة بطبيعة الإسقاط نفسه ووظيفته الأصلية، فقد صمم مركاتور للملاحة، ثم انتقل تدريجيا إلى الاستخدام التعليمي والإعلامي والخرائط العامة، فأصبح من أكثر التصورات البصرية انتشارا للعالم.

 

 

اعادة التوازن البصري للخرائط

 

و ظهر إسقاط Equal Earth سنة 2018، وصُمم بهدف تمثيل العالم مع الحفاظ على المساحات النسبية بين المناطق الجغرافية، وعند استخدامه، تبدو القارات أقرب إلى أحجامها الحقيقية، مع استمرار وجود التشوهات التي تفرضها عملية إسقاط الكرة الأرضية على سطح مستوٍ، وهذه النقطة مهمة لفهم طبيعة الخرائط، حيث لا توجد خريطة مسطحة تستطيع المحافظة في الوقت نفسه على المساحة والشكل والمسافة والاتجاهات بصورة مثالية في جميع أنحاء العالم، فكل إسقاط يضع مجموعة من الأولويات الهندسية وفق الغرض الذي صُمم من أجله.

ولذلك فإن الانتقال من مركاتور إلى إسقاطات متساوية المساحة لا يعني اكتشاف “الخريطة الوحيدة الصحيحة”، وإنما يعني اختيار تمثيل أكثر ملاءمة عندما يكون الهدف هو مقارنة أحجام القارات والدول.

وبالنسبة إلى إفريقيا، يحمل هذا التحول قيمة بصرية كبيرة، فتظر القارة التي تبلغ مساحتها أكثر من 30 مليون كيلومتر مربع بحجم يعكس بصورة أفضل ثقلها الجغرافي، بما ينسجم مع حقيقتها على سطح الأرض.

وتكتسب المسألة بعدا إضافيا عندما تدخل الخرائط إلى المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية،فالصور المتكررة للعالم تساهم في تشكيل الذاكرة الجغرافية، وتؤثر في الطريقة التي يتخيل بها الناس حجم البلدان وموقعها داخل النظام العالمي.

وتكمن أهمية القرار الأممي في أنه يضع قضية الخرائط ضمن نقاش دولي أوسع حول إنتاج المعرفة وتمثيل العالم.

وقد جاءت المبادرة بدفع من الطوغو ودعم من دول إفريقية، في سياق يتزايد فيه النقاش حول كيفية تمثيل القارة الإفريقية في الخرائط والبيانات والمواد التعليمية.

ويحمل هذا البعد رمزية خاصة بالنسبة إلى إفريقيا، التي عانت طويلا من صور نمطية اختزلت تنوعها وحجمها وثقلها الحضاري والاقتصادي والجغرافي. ومن هذه الزاوية، يصبح تصحيح التمثيل الخرائطي جزءا من نقاش أكبر حول إعادة النظر في بعض الأدوات والمعايير التي أصبحت عالمية خلال مراحل تاريخية ارتبطت إلى حد كبير بالمراكز الأوروبية للقوة والمعرفة.

ومع ذلك، يظل القرار في إطار التوصية والتشجيع، ولا يفرض حظرا على استخدام مركاتور، وسيبقى هذا الإسقاط مناسبا في تطبيقات معينة، خصوصا في الملاحة، حيث تمثل المحافظة على الزوايا والاتجاهات خاصية عملية مهمة.

لذلك فإن العبارة الأكثر دقة لوصف التطور هي أن الأمم المتحدة تدفع باتجاه تنويع أدوات تمثيل العالم واستخدام الإسقاط المناسب لكل غرض، مع إعطاء مساحة أكبر للخرائط التي تحافظ على العلاقات الحقيقية بين مساحات القارات.

 

 

Related posts

فرنسا: سجن ساركوزي عامًا بتهمة تجاوز سقف الإنفاق الانتخابي

محمد بن محمود

تفاصيل احباط هجوم خطير بإسطنبول

محمد بن محمود

فرنسا: مجلس الشيوخ يصادق على رفع سن التقاعد إلى 64 عاما

هادية الشاهد

Leave a Comment