37.7 C
تونس
9 سبتمبر، 2026
الصفحة الأولى وطنية

مع الانتشار الواسع للمعلومات…الحقيقة ضحية مواقع التواصل الاجتماعي

صابر الحرشاني

تثير البعض من منشورات فايسبوك، من حين إلى آخر، جدلا واسعا بشأن ظاهرة انتشار الأخبار والمعلومات المضللة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة عندما تتعلق هذه المنشورات بأحداث  تثير اهتمام الرأي العام.

وفي كثير من الحالات، لا يستغرق الأمر سوى دقائق حتى تنتقل صورة أو معلومة أو تصريح من حساب إلى آخر، فتتحول إلى حديث واسع قبل أن يتاح التثبت من صحتها أو معرفة مصدرها الحقيقي.

 

تحولات لدى المتلقي

 

وتبرز هذه الظاهرة تحولا واضحا في الطريقة التي يتلقى بها الناس الأخبار ويتفاعلون معها، فالمتلقي لم يعد ينظر دائما إلى المعلومة باعتبارها واقعة تحتاج إلى التثبت، بل قد يتعامل معها انطلاقا من موقفه المسبق منها، فإذا كانت تتوافق مع قناعاته، يكون أكثر استعدادا لتصديقها ونشرها، أما إذا كانت تخالف ما يعتقده، فقد يرفضها حتى قبل النظر في الأدلة التي تستند إليها. وهكذا يصبح الموقف من الخبر مرتبطا أحيانا بمن قاله أو نشره أكثر من ارتباطه بمضمونه ومدى صحته.

ولا تعني هذه الظاهرة أن الأخبار الكاذبة ظهرت مع الإنترنت، فالتضليل والدعاية والتلاعب بالمعلومات وفق المختصون هي ظواهر قديمة، عرفتها المجتمعات قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بوقت طويل، غير أن الجديد يتمثل في البيئة التي أصبحت تعمل داخلها هذه الممارسات. 

ويبدو ان المعلومة اليوم تنتقل بسرعة كبيرة، ويمكن لأي شخص أن ينتج محتوى ويعيد نشره ويوسع دائرة انتشاره من دون أن يمر بالضرورة عبر مراقبة او مراجعة في حين انه في السابق، كان وصول الخبر إلى جمهور واسع يمر غالبا عبر مؤسسات إعلامية تتحمل مسؤولية ما تنشره، ولها قواعد مهنية ومصادر يمكن الرجوع إليها، و كانت و ماتزال تضع حدا معينا أمام انتشار المعلومات غير الموثوقة،أما اليوم، فقد يبدأ الخبر من حساب مجهول، ثم ينتقل بين عشرات الصفحات والمجموعات، ويصل إلى آلاف المستخدمين في وقت قصير، قبل أن تتاح فرصة حقيقية للتحقق منه.

 

التكنولوجيا عملة بوجهين

 

وتكمن المفارقة في أن التكنولوجيا التي جعلت الوصول إلى المعلومات أسهل جعلت التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة أكثر صعوبة، ذلك ان المستعمل يجد نفسه أمام تدفق هائل من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو والتعليقات، بينما لا يملك دائما الوقت أو الأدوات اللازمة للتحقق من كل ما يراه، وفي المقابل، تعمل منصات التواصل في بيئة تقوم بدرجة كبيرة على جذب الانتباه والتفاعل، وهو ما يمنح المحتوى المثير والصادم قدرة أكبر على الانتشار.

وقد يفسر ذلك انتشار المعلومة التي تثير الغضب أو الخوف أو الفضول بسرعة أكبر من مادة تحتاج إلى قراءة متأنية وفهم للسياق، وقد يكون عنوان مثير أو صورة غامضة كافيا لإطلاق نقاش واسع، في حين أن التحقق من أصل الصورة أو تاريخها أو الظروف التي التقطت فيها يحتاج إلى وقت وجهد لا يحظيان بالاهتمام نفسه.

وقد يقبل شخص رواية معينة ليس لأنه فحص الأدلة التي تستند إليها، وإنما لأنها تنسجم مع موقف المجموعة التي ينتمي إليها. وفي المقابل، قد يرفض واقعة موثقة لأن الاعتراف بها يتعارض مع الصورة التي يحملها عن خصومه. وهنا يتحول النقاش من البحث عن حقيقة الحدث إلى صراع حول الرواية التي ينبغي أن تسود.

وهذا من أخطر جوانب الظاهرة، لأن الاختلاف حول تفسير الأحداث أمر طبيعي، بل يمكن أن يكون مفيدا في المجتمعات الديمقراطية، لكن الخلاف حول الوقائع الأساسية نفسها يضعف القدرة على إدارة الاختلاف.

 

Related posts

وزارة الدفاع تُطالب نوفل الورتاني بالاعتذار

Ichrak Ben Hamouda

مواجهة غير مباشرة بين البوكا و بنفيكا للترشح مع بايرن مونيخ

صابر الحرشاني

سحب و ارتفاع طفيف في الحرارة

صابر الحرشاني

Leave a Comment