27.3 C
تونس
11 أكتوبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

رهانات معلقة على قانون المالية 2027: من إدارة العجز إلى بناء اقتصاد منتج

صابر الحرشاني

تكشف مؤشرات تنفيذ الميزانية عن جملة من التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي، من ارتفاع التضخم وضغط المديونية إلى ضعف الاستثمار العمومي وتراجع مساهمة الصناعة في النمو. وهي مؤشرات تطرح، وفق قراءة في توجهات السياسة المالية، أسئلة جوهرية بشأن قدرة الخيارات الاقتصادية الحالية على تحفيز الإنتاج وخلق الثروة وتحسين القدرة الشرائية للمواطن.

ومع الاستعداد لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، تبرز الحاجة إلى مراجعة ترتيب الأولويات، وتجاوز المقاربات العامة نحو خطة واضحة بأهداف قابلة للقياس والتنفيذ، توازن بين متطلبات استقرار المالية العمومية ودفع الاستثمار والنمو.

التضخم والاستثمار: فجوة بين التوجهات والإنجاز

وتشير أرقام تنفيذ الميزانية إلى ارتفاع طفيف في نسبة التضخم مقارنة بمطلع السنة، رغم استقرارها عند مستوى قريب من المعدلات الدولية. ويمكن تفسير هذا التطور، وفق قراءة المؤشرات الاقتصادية، بعوامل داخلية، من بينها ضعف الإنتاج المحلي وانتشار المضاربة والاحتكار في شبكات التوزيع، إلى جانب احتمال تأثير تمويل عجز الميزانية نقديا. كما يرتبط التضخم بعوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار واردات المحروقات والقمح اللين والمواد الأولية، وتفاقم العجز الطاقي الذي يزيد حاجة البلاد إلى التوريد.

ورغم استقرار سعر صرف الدينار، فإن التحكم النسبي في التضخم لا يلغي انعكاساته المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، ولا تأثيره في توجيه الموارد بعيداً عن الاستثمار. وهو ما يجعل تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين القدرة التصديرية من أبرز الشروط لتقليص التبعية للأسواق الخارجية ودعم العملة الوطنية.

وفي المقابل، تكشف نسبة النفقات ذات الصبغة التنموية، التي بلغت 21.2%، عن فجوة بين الخطاب الداعي إلى رفع الاستثمار العمومي وواقع الإنجاز. فتعطل المشاريع وتأخر استكمال المرافق الحيوية في قطاعات الصحة والتعليم والنقل لا يقتصر أثره على جودة الخدمات، بل يمتد إلى المؤسسات والمقاولين والصناعيين الذين قد يجدون أنفسهم في وضعيات مالية صعبة بسبب تأخر مستحقاتهم. فالدولة قادرة على تحريك الدورة الاقتصادية من خلال الاستثمار والخلاص في الآجال، لكنها قد تتحول، عند تعطل التنفيذ، إلى عامل إضافي في إبطاء النشاط الاقتصادي.

أما تراجع نفقات التسيير، فيستدعي بدوره تقييماً يحدد مدى انعكاسه على سير المرافق العمومية. فترشيد الإنفاق يظل ضرورياً، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تقشف يعرقل الخدمات الإدارية أو يعطل مصالح المواطنين، خاصة أن تقليص هذه النفقات لا يضمن بالضرورة تحقيق مدخرات مهمة.

وتطرح هذه المؤشرات، في مجملها، ضرورة الانتقال من مجرد إعلان التوجهات إلى تحديد أهداف دقيقة وآجال واضحة وآليات متابعة تسمح بتقييم النتائج الفعلية للسياسات الاقتصادية.

نحو استراتيجية للإنتاج وخلق الثروة

و لا تكفي مواصلة السياسات نفسها لمواجهة وضع اقتصادي تتزايد فيه تحديات المديونية والعجز والحاجة إلى الاقتراض. فالتوجهات العامة الواردة في التقارير المالية تحتاج إلى خطة استراتيجية تجيب بوضوح عن كيفية تجاوز هذه الصعوبات، ومعالجة إشكاليات صناديق التقاعد والمرض والحيطة الاجتماعية، والتعامل مع التهرم الديموغرافي، إلى جانب إدماج الاقتصاد الموازي وتحسين الوضعية الهشة لليد العاملة الناشطة خارجه. وتشير البيانات المنسوبة إلى المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نحو 44% من اليد العاملة تنشط في القطاع غير النظامي، بما يطرح تحدياً اقتصادياً واجتماعيا يتطلب معالجة متكاملة.

ويبرز القطاع الصناعي ضمن المجالات التي تحتاج إلى مراجعة الأولويات، إذ لم تتجاوز مساهمته في النمو خلال السداسي الأول، وفق المعطيات الواردة، 0.45 نقطة مئوية. كما يظل غياب المشاريع الاستثمارية الكبرى ذات القدرة التشغيلية العالية والقيمة المضافة المتطورة من أبرز النقائص المطروحة. ولا يمكن الاكتفاء بدعم صناعات تحويلية موجهة كلياً إلى التصدير إذا لم يواكب ذلك تطوير الإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا وتعزيز القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، ينبغي أن ينطلق إعداد قانون المالية لسنة 2027 من سؤالين أساسيين: من أين وكيف ستُخلق الثروة؟ وما نوع الاستثمار الذي تحتاج إليه البلاد؟ وتقتضي الإجابة عنهما استكمال المشاريع العالقة، وخاصة المستشفيات والبنية التحتية والمؤسسات التربوية، بالتوازي مع تحسين مناخ الاستثمار ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل، وفق المعطيات المشار إليها، 97.5% من النسيج الاقتصادي التونسي. كما تستدعي المعطيات المتعلقة بتركز الثروة، والمنسوبة إلى المعهد الوطني للإحصاء والسجل الوطني للمؤسسات، البحث في سبل توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وتيسير نفاذ المؤسسات إلى التمويل والأسواق.

ويفترض أن يولي القانون الجديد أهمية خاصة للقطاع الفلاحي، من خلال دعم الفلاحين في إنتاج زيت الزيتون وتسويقه وتحويله، وتعزيز القدرة على إنتاج اللحوم، إلى جانب تقديم معالجات قطاعية عاجلة تتلاءم مع خصوصية كل نشاط. كما ينبغي تجنب إثقال كاهل المواطنين والمؤسسات بأعباء جبائية إضافية، في وقت تحتاج فيه الدورة الاقتصادية إلى مزيد من الاستثمار والإنتاج.

ولا ينفصل دفع النمو عن إصلاح المؤسسات العمومية، التي تتطلب وضعية بعضها، مثل شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي بقابس والخطوط التونسية، مقاربة واضحة تضمن قدرتها على الإنتاج وتحسين أدائها والحد من تحولها إلى عبء على المالية العمومية. كذلك يظل القطاع الطاقي من الملفات التي تستوجب خيارات طويلة المدى، تشمل تطوير الإنتاج واستكشاف الموارد، ودراسة البدائل المتاحة، بما في ذلك مشاريع الطاقة النووية واستكشاف الغاز الصخري، مع الالتزام بالضمانات البيئية اللازمة. ويوازي ذلك ضرورة تحويل مبدأ تثمين أملاك الدولة إلى إجراءات عملية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إطار التكامل بينهما.

و لا تتوقف نجاعة السياسة المالية عند صياغة الإجراءات والمصادقة عليها، بل تتطلب ضمان تنفيذها في الآجال المحددة. وقد أثار عدم تطبيق بعض الفصول الواردة في قانون المالية الحالي إشكاليات تتعلق بالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبمدى الالتزام بمقتضيات النصوص المصادق عليها والمنشورة.

فإذا تمت المصادقة على القانون وخُتم ونُشر، فإن الأصل هو العمل على تنفيذه، مع معالجة الصعوبات التطبيقية من خلال النصوص الترتيبية والتنسيق بين الوزارات والمصالح المعنية. أما الإشكاليات التي قد تعترض بعض الإجراءات، مثل تنظيم الترخيص الشخصي للتوريد في ما يتعلق بسيارة العائلة، فلا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل الأحكام، بل تستوجب حلولاً قانونية وإدارية واضحة. ومن هنا تبرز أهمية التعهد بإصدار النصوص الترتيبية في آجال محددة، بما يحد من التأخير ويعزز احترام القانون والمؤسسة التشريعية.

وفي المقابل، يقتضي الإعداد لقانون المالية لسنة 2027 تطوير الحوار بين البرلمان والحكومة. فالبرلمان مطالب بترشيد مقترحات الفصول الإضافية والتعديلية، وإفساح المجال لنقاش هادئ وبنّاء، بعيداً عن ردود الفعل، مع الحرص على ألا يتحول قانون المالية إلى إطار تُحمّل له جميع الملفات. وفي الجهة المقابلة، تحتاج الحكومة إلى مزيد من الإنصات لمشاغل المواطنين والمستثمرين التي ينقلها النواب، والتفاعل معها بإجراءات قابلة للتطبيق.

كما يتواصل العمل البرلماني على إعداد مقترحات جديدة ومراجعة بعض الفصول السابقة، ومنها الفصل المتعلق بتسوية الآبار العشوائية، عبر إعادة دراسته بالتعاون مع الأكاديمية البرلمانية ومصالح وزارة الفلاحة المختصة.

في المحصلة، يمثل قانون المالية لسنة 2027 فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، شرط ألا يقتصر على مواصلة التوجهات السابقة بصيغ عامة، بل أن يترجمها إلى إجراءات محددة ومشاريع قابلة للإنجاز. فدعم الاستثمار، وإصلاح المؤسسات العمومية، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير الصادرات، واحترام آجال تنفيذ القوانين، عناصر مترابطة لا يمكن فصلها عن هدف استعادة نسق النمو وتحسين القدرة الشرائية. والتحدي الأساسي هو الانتقال من إدارة العجز والضغوط المالية إلى بناء اقتصاد قادر على خلق الثروة وتوسيع فرص العمل وتقليص التبعية للخارج.

Related posts

وزارة المالية تكشف تفاصيل تطبيق الضريبة على الثروة

صابر الحرشاني

العثور على التركية المفقودة في المنستير

Mohamed mabrouk Sallami

اليوم : عبير موسي أمام الدائرة الجنائية في قضية مكتب الضبط

صابر الحرشاني

Leave a Comment