16 أبريل، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

تصريح النائب تحت المجهر….حين يكشف اللسان ما تخفيه الثقافة السياسية

أعادت زلة اللسان النائب طارق مهدي طرح أسئلة قديمة متجددة حول طبيعة الخطاب داخل المؤسسة التشريعية وحدود المسؤولية الأخلاقية للمنتخبين.

وقد أثارت تصريحات النائب طارق مهدي، التي صدرت خلال جلسة عامة بمجلس نواب الشعب يوم 13 أفريل 2026، ردود فعل متباينة اتسمت في مجملها بالرفض والإدانة من قبل عدد من المنظمات الحقوقية والجمعيات المدنية، التي اعتبرت أن ما ورد فيها يتعارض مع المبادئ القانونية والحقوقية ويطرح إشكالات تتعلق بخطاب العنف والتمييز.

وقد أثارت العبارات التي استخدمها النائب، والتي نفى من خلالها إمكانية وقوع مثل هذه الجريمة عبر ربطها بصورة نمطية عن المجتمع التونسي، موجة استنكار واسعة داخل مجلس نواب الشعب وخارجه، حيث اعتبر عدد من النواب أن هذا الخطاب يتجاوز حدود الجدل السياسي المشروع، ويمسّ بشكل مباشر من كرامة الضحايا ويطرح إشكاليات عميقة تتعلق بالخطاب العام داخل المؤسسة التشريعية.

وتجاوز الجدل مضمون العبارة في حد ذاتها، بل اتسع ليشمل خلفياتها، ودلالاتها، وما تعكسه من تمثلات ذهنية وسلوكية لدى جزء من الطبقة السياسية. فالكلمات التي تصدر في لحظة عفوية لا يمكن فصلها تماما عن البناء الثقافي والفكري لصاحبها، ولا عن السياق العام الذي يسمح بمرور مثل هذه التصريحات دون تمحيص مسبق.

الخطاب البرلماني بين الحرية والانضباط

يقوم العمل البرلماني على مبدأ حرية التعبير، بما يتيح للنائب نقل انشغالات ناخبيه والدفاع عن مواقفه دون خوف من التضييق. غير أن هذه الحرية لا تعني الانفلات من كل قيد، بل تظل مؤطرة بجملة من الضوابط الأخلاقية والسياسية. فالنائب لا يتحدث باسمه فقط، بل بصفته ممثلا للشعب، ما يفرض عليه مستوى عاليا من الانتباه في اختيار عباراته، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس الكرامة الإنسانية أو الصور النمطية.

ويكشف الجدل الذي أعقب التصريح أن الرأي العام لم يعد يتسامح مع الخطاب الذي ينطوي على تبسيط مخل أو إنكار لمعاناة فئات معينة. كما يعكس تحولا في وعي المواطنين، حيث لم تعد الحصانة البرلمانية كافية لتبرير الانزلاقات اللفظية أو التخفيف من وقعها. بل إن هذه الحصانة أصبحت، في نظر كثيرين، إطارا قانونيا لا يلغي المحاسبة السياسية والأخلاقية.

تمثلات ومخيال اجتماعي

ويبدو في التركيز على العبارة في حد ذاتها قد يحجب جانبا أعمق من الإشكال، وهو منظومة التمثلات التي تنتج مثل هذا الخطاب. فحين يتم استبعاد احتمال وقوع جريمة معينة بناء على تصورات تتعلق بـ”طبيعة المجتمع” أو “خصوصياته”، فإن ذلك يكشف عن نزعة إنكارية تتجاهل تعقيد الواقع. هذه النزعة لا تقتصر على فرد بعينه، بل تمتد أحيانا داخل المجتمع، حيث يتم اللجوء إلى صور مثالية لتفادي مواجهة ظواهر محرجة.

كما أن استحضار عناصر مثل الجمال أو التفوق الأخلاقي كحجة ضمنية يعكس خلطا بين القيم والوقائع. فالمجتمعات، مهما كانت خصائصها، ليست بمنأى عن الانحرافات، وإنكار ذلك لا يحميها بل يضعف قدرتها على المعالجة. من هنا، يصبح الخطاب الصادر عن المسؤولين عاملا مؤثرا إما في تكريس هذا الإنكار أو في تفكيكه.

و أحد أبرز مخرجات هذه الحادثة هو انتقال النقاش من الجانب القانوني إلى دائرة أوسع تتعلق بالمساءلة المجتمعية. فحتى في غياب تبعات قانونية مباشرة، يمكن للرأي العام أن يفرض نوعا من الرقابة الرمزية على سلوك النائب. هذه الرقابة تتجلى في ردود الفعل، في وسائل الإعلام، وفي النقاشات العامة، وقد تؤثر لاحقا في المسار السياسي للمعني بالأمر.

كما تطرح الحادثة مسألة تأهيل المنتخبين، ليس فقط من حيث الكفاءة التقنية، بل أيضا من حيث الوعي بالرهانات التواصلية. فالنائب مطالب اليوم بإدراك أن كل كلمة يمكن أن تتحول إلى قضية رأي عام، وأن الفضاء الرقمي يضاعف من سرعة انتشار التصريحات وتأثيرها. هذا الواقع يفرض تطوير آليات داخل الأحزاب والكتل البرلمانية لمرافقة أعضائها، وتدريبهم على إدارة الخطاب في القضايا الحساسة.

في المحصلة، لا يمكن اختزال ما حدث في مجرد زلة لسان عابرة، بل هو مؤشر على خلل أعمق في علاقة بعض الفاعلين السياسيين باللغة والواقع. معالجة هذا الخلل تقتضي مراجعة شاملة لثقافة الخطاب، وتعزيز الوعي بأن المسؤولية السياسية تبدأ من الكلمة، باعتبارها أول أشكال الفعل في المجال العام.

Related posts

إصدار بطاقة إيداع بالسجن بحقّ محمد علي العروي

root

الإبقاء في حالة سراح في حقّ وال أسبق وكاتب عام بولاية قفصة

marwa

القصرين : انهيار كهف يخلّف 3 وفيات

Moufida Ayari

Leave a Comment