في الشارع التونسي، في القهاوي، في الخدمة، وحتى بين الأصحاب، ولى الكلام البذيء حاجة عادية، تتقال بكل عفوية وكأنها جزء طبيعي من اللهجة.
الغريب أن التونسي ينجم يسبّك ويضحك معاك في نفس الوقت، وتلقى روحك تضحك، رغم أن الكلام في حد ذاته قاسي ويمكن جارح.
هوني تبدأ المفارقة: كيفاش كلمة في أصلها إهانة، تولّي وسيلة تواصل؟
الحكاية ما جاتش من فراغ، التونسي تربّى في محيط فيه الكلام “القوي” يُعتبر جرأة وصراحة، مش قلة تربية.
مع الوقت، تبدّلت المعاني، ولات بعض الكلمات البذيئة تتقال بدافع الألفة، ولا للتأكيد، ولا حتى كنوع من الفكاهة. يعني بدل ما تقول “برشا”، تزيد كلمة “زايدة” تعطي للجملة وزن… حتى لو الوزن هذا فيه تجاوز.
أما المشكلة، أن التعود على هذا الأسلوب خلاه يخرج من إطارو. ما عادش مقتصر على الأصحاب، ولى يتقال في كل بلاصة، قدّام الصغير والكبير، في الخدمة، وفي الفضاءات العامة. وهنا يولي الموضوع أخطر، خاطر الكلام هذا ينقص من قيمة الحوار، ويخلق نوع من العنف اللفظي اللي الناس ولات ما تحسش بيه.
الأخيب من هذا، أن بعض الناس ولات تشوف اللي الكلام المحترم ضعف، واللي ما يسبّش “موش راجل بما يكفي”، وكأنو الهيبة مربوطة بقساوة اللسان. وهذا مفهوم مغلوط، لأنو في الحقيقة، أصعب حاجة هي أنك تتحكم في كلامك، وتعرف شنوّة تقول ووقتها.
التونسي معروف بخفة دمو وبذكائه اللغوي، وينجم يضحك ويعبّر ويأثر بكلمة بسيطة ونظيفة. أما بين الضحك والسبان، ثمّة شعرة رقيقة، وإذا تتقطع، يتحول الكلام من متعة إلى إساءة.
ويمكن اليوم، أكثر من أي وقت، لازمنا نرجعوا نخمموا: هل فعلاً الكلام هذا يعبّر علينا.. ولا فقط يعوّدنا على القبح؟
