29.2 C
تونس
25 مايو، 2026
الصفحة الأولى رياضة رياضة وطنية

بين بريق الإثارة وظلال العقوبات…أي مستقبل ينتظر الكرة التونسية؟

في كل مرة ترتفع فيها نسق المباريات وتتحسن الجودة الفنية فوق المستطيل الأخضر، يعود الأمل ليداعب قلوب الأنصار بأن الكرة التونسية قد استعادت عافيتها، أو على الأقل أنها في طريقها الصحيح نحو ذلك. فالمباراة الجميلة لا تُقاس فقط بحسن التمركز أو دقة التمريرات أو حتى التكتيك العالي، بل إن جوهرها الحقيقي يكمن في لحظة واحدة ينتظرها الجميع: اهتزاز الشباك. تلك اللحظة التي تُترجم كل المجهودات إلى فرحة، وتمنح الجماهير الشعور بأن اللعبة مازالت بخير.

لكن، ورغم هذا التحسن الظاهري في بعض المباريات، يظل السؤال معلقًا هل نحن أمام صحوة حقيقية في كرتنا، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد سحابة عابرة سرعان ما تنقشع لتعود معها نفس المشاكل القديمة؟

إلى حد الساعة، لا توجد إجابة واضحة. فالمشهد يبدو ضبابيًا من الأعلى والأسفل، من حيث الأداء داخل الملعب، ومن حيث التسيير خارج الخطوط. وربما ستكون الجولة الختامية من البطولة هي الفيصل في إعطاء مؤشرات أكثر دقة، لكنها لن تكون كافية لوحدها للحكم على واقع كرة تعيش منذ سنوات على وقع التذبذب.

الأمر لا يتعلق فقط بما نراه في المباريات، بل يتجاوز ذلك إلى ما يحدث في الكواليس، حيث الأرقام والقرارات والعقوبات التي قد تكون أكثر تعبيرًا عن الحالة الحقيقية لكرة القدم التونسية.

ففي الوقت الذي قد يحاول فيه البعض التمسك بخيط التفاؤل، جاء التحيين الأخير الصادر عن الاتحاد الدولي لكرة القدم ليعيد الجميع إلى أرض الواقع. قائمة الأندية الممنوعة من الانتداب لم تكن مجرد وثيقة عادية، بل كانت بمثابة جرس إنذار جديد يؤكد أن المشاكل الهيكلية مازالت قائمة، بل وربما تتعمق.

الأمر اللافت في هذه القائمة هو أنها لم تستثنِ حتى الأندية الكبرى، وعلى رأسها الترجي الرياضي التونسي، الذي يُصنف عادة كأغنى وأقوى الأندية في البلاد. إدراج اسمه ضمن قائمة الممنوعين من الانتداب، حتى وإن كان ذلك بسبب ملف واحد فقط، يطرح أكثر من علامة استفهام.

فإذا كان الفريق الأكثر استقرارًا ماديًا وإداريًا نسبيًا قد وجد نفسه في هذا الوضع، فكيف سيكون حال بقية الأندية التي تعاني أصلًا من أزمات مالية خانقة وتسيير مرتبك؟

قد يحاول البعض التقليل من أهمية الملف، خاصة إذا كان المبلغ المستوجب خلاصه بسيطًا، لكن المسألة هنا لا تُقاس بحجم المبلغ بقدر ما تُقاس بدلالتها. فأن يُدرج اسم فريق بحجم الترجي في مثل هذه القوائم، فهذا في حد ذاته مؤشر غير مريح، ويعكس خللًا ما، حتى وإن كان ظرفيًا.

القائمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل شملت ستة أندية تونسية في مجموع 14 قضية منشورة لدى لجنة النزاعات التابعة للفيفا، إلى حدود يوم 30 أفريل 2026. وهذه الأرقام، رغم أنها قد تبدو مجرد إحصائيات، إلا أنها في الواقع تعكس حجم الأزمة التي تعيشها الكرة التونسية على مستوى الحوكمة والتسيير المالي.

النادي الصفاقسي، أحد أعمدة الكرة التونسية، يتصدر القائمة بخمسة ملفات، وهو رقم ثقيل بكل المقاييس. هذا النادي الذي عُرف تاريخيًا بحسن التسيير والانضباط، يجد نفسه اليوم في وضعية لا تليق بتاريخه ولا بجماهيره.

الاتحاد المنستيري بدوره حاضر بثلاثة ملفات، وهو الفريق الذي عاش في السنوات الأخيرة طفرة رياضية وحقق نتائج مميزة، لكنه يبدو أنه لم ينجُ من التعثرات الإدارية والمالية.

أما بقية الأندية، مثل مستقبل الرجيش وقوافل قفصة والملعب التونسي، فهي الأخرى مدرجة في القائمة، وهو ما يعكس أن الأزمة ليست حكرًا على فريق دون آخر، بل هي ظاهرة عامة تمس مختلف المستويات.

هذه المعطيات تضعنا أمام مفارقة غريبة: من جهة، نشاهد تحسنًا نسبيًا في الأداء داخل الملعب، ومن جهة أخرى، نكتشف هشاشة واضحة في التسيير خارج الملعب. وكأن الكرة التونسية تعيش واقعين متناقضين، أحدهما جميل ومبشر، والآخر مقلق ومثقل بالمشاكل.

في مثل هذا السياق، يصبح من الصعب الحديث عن مستقبل واعد دون معالجة جذرية لهذه الإشكاليات. فالتطور الفني، مهما كان مهمًا، لا يمكن أن يصمد طويلًا إذا لم يكن مدعومًا بأسس إدارية ومالية سليمة.

الكرة الحديثة لم تعد مجرد لعبة تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت منظومة متكاملة تتداخل فيها عوامل عديدة، من بينها التسيير الاحترافي، والحوكمة الرشيدة، والشفافية المالية. وأي خلل في أحد هذه العناصر قد ينعكس بشكل مباشر على الأداء الرياضي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن للكرة التونسية أن تتجاوز هذه المرحلة وتحقق التوازن بين الأداء الفني والتسيير الإداري؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة أيضًا. فالإمكانيات موجودة، والكفاءات كذلك، لكن ما ينقص هو الإرادة الحقيقية للإصلاح، والقدرة على اتخاذ قرارات جريئة قد تكون مؤلمة على المدى القصير، لكنها ضرورية على المدى الطويل.

لا يمكن الاستمرار في نفس الحلقة المفرغة، حيث تتكرر نفس الأخطاء وتُرحّل نفس المشاكل من موسم إلى آخر. المطلوب اليوم هو مراجعة شاملة، تبدأ من طريقة إدارة الأندية، مرورًا بالرقابة المالية، وصولًا إلى دور الهياكل المشرفة على اللعبة.

كما أن الجماهير، التي تُعتبر المحرك الأساسي لكرة القدم، لها دور مهم في هذا المسار. فوعيها بالمشاكل ودعمها للإصلاحات يمكن أن يكون عامل ضغط إيجابي يدفع نحو التغيير.

في النهاية، تبقى الكرة التونسية أمام مفترق طرق. فإما أن تستثمر في هذا التحسن النسبي وتبني عليه مشروعًا حقيقيًا للإصلاح، أو أن تكتفي بالفرح المؤقت ببعض المباريات الجميلة، لتعود بعدها إلى نفس دوامة الأزمات.

الأهداف التي تُسجل في المباريات قد تُسعد الجماهير للحظات، لكنها لن تكون كافية لإخفاء المشاكل العميقة التي تعاني منها المنظومة. فالجمال الحقيقي للكرة لا يكمن فقط في الأهداف، بل في الاستمرارية والاستقرار والقدرة على التطور.

وبين بريق الشباك وواقع العقوبات، تبقى الحقيقة واضحة: لا مستقبل لكرة لا تُحسن ترتيب بيتها من الداخل، مهما كانت لحظات الإبداع فوق الميدان.

Related posts

كأس أمم إفريقيا 2025….المدن الستة والتسعة ملاعب التي ستحضن “الكان”

صابر الحرشاني

ارتفاع أسعار الوقود يربك الرحلات البحرية: تعديل مفاجئ في برمجة السفرات

صابر الحرشاني

مقترح تونسي لإعادة توجيه أرباح الشركات ومعالجة ديون الدول النامية

صابر الحرشاني

Leave a Comment