29.7 C
تونس
17 يونيو، 2026
الصفحة الأولى سياسة

العدالة الجبائية:هل بدأت الدول النامية معركة استعادة السيادة الاقتصادية؟


صابر الحرشاني
أعادت المبادرة التي طرحتها تونس مؤخرا داخل أروقة الاتحاد البرلماني الدولي، والمتعلقة بمراجعة المنظومة الجبائية العالمية وإلزام الشركات متعددة الجنسيات بتحمل أعباء إضافية داخل الدول التي تحقق فيها أرباحها، فتح نقاش دولي يتجاوز البعد المالي الضيق نحو سؤال أعمق يتعلق بالسيادة الاقتصادية للدول النامية وحدود النظام الاقتصادي العالمي الحالي.
ويبدو ان هذه المبادرة التي لم تنل حظها في الاهتمامات الاعلامية باتت تعكس تحولا في طبيعة الخطاب السياسي والاقتصادي الصادر عن عدد من الدول التي بدأت تدرك أن أزمتها لم تعد مرتبطة بسوء الإدارة أو نقص التمويل فحسب، بل أيضا بقواعد دولية تكرّس اختلال توزيع الثروة والقيمة المضافة بين المركز والأطراف.

طبيعة القوة في النظام الاقتصادي

وبات النقاش حول الأزمة الاقتصادية في الدول النامية يتحول تدريجيا نحو مساءلة أعمق لبنية الاقتصاد العالمي نفسه، وخاصة لمنظومة توزيع الأرباح والضرائب والثروات بين الشمال والجنوب، حيث يبرز ملف “العدالة الجبائية العالمية” باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة القادمة، لأنه لا يتعلق بالضرائب فحسب ، بل بطبيعة القوة داخل النظام الاقتصادي الدولي ومن يتحكم فعليا في الثروة العالمية.
وعلى امتداد عقود، استفادت الشركات متعددة الجنسيات من العولمة الاقتصادية لتوسيع استثماراتها داخل الدول النامية، مستفيدة من اليد العاملة الرخيصة والأسواق المفتوحة والامتيازات الجبائية والبنية التحتية التي توفرها الدول، غير أن جزءا كبيرا من الأرباح الناتجة عن هذه الأنشطة لم يبق داخل الاقتصادات المحلية، بل جرى تحويله نحو الخارج عبر آليات مالية ومحاسبية معقدة، أو نحو ملاذات ضريبية تسمح بتقليص الضرائب إلى أدنى مستوى ممكن.
وافرز هذا الواقع مفارقة حادة قوامها وجود دول تعاني من عجز الميزانيات وضعف الاستثمار العمومي وتفاقم الديون، في مقابل شركات تحقق أرباحا ضخمة داخل تلك الأسواق دون مساهمة فعلية تتناسب مع حجم استفادتها، ولذلك لم اصبح مطلب “العدالة الجبائية” مرتبطا مباشرة بحق الدول في حماية مواردها وقدرتها على تمويل التنمية والخدمات الأساسية.
الأهم أن هذا النقاش لم يعد محصورا داخل الأوساط الأكاديمية أو الحركات المناهضة للعولمة، بل بدأ يتسلل إلى المؤسسات الدولية نفسها. فتصاعد التوترات الاقتصادية العالمية، والحروب التجارية، وأزمات الطاقة، والتضخم، كلها عوامل دفعت حتى بعض الدول الكبرى إلى مراجعة جزء من قواعد العولمة القديمة، خاصة بعد أن تحولت الضرائب والرسوم الديوانية والعقوبات الاقتصادية إلى أدوات صراع جيوسياسي.

مساحات للمناورة

وفي هذا المناخ الدولي الجديد، تحاول الدول النامية إيجاد مساحة أوسع للمناورة والدفاع عن مصالحها الاقتصادية، وهنا تحديدا يبرز الرهان على تعديل قواعد النظام الجبائي العالمي، ليس عبر المطالبة بضرائب إضافية على الشركات متعددة الجنسيات فحسب، بل أيضا عبر إعادة تعريف مفهوم “القيمة المضافة” لان الدول النامية لم تعد تقبل أن تبقى مجرد فضاءات إنتاج واستهلاك بينما يتم ترحيل الأرباح الحقيقية إلى الخارج.

معركة معقدة

ومن المهم الاشارة الى. أن هذه المعركة تبدو معقدة للغاية، لأن الشركات متعددة الجنسيات ليست مجرد مؤسسات اقتصادية، بل تحولت إلى قوى عابرة للدول تمتلك نفوذا ماليا وسياسيا ضخما، بل وتؤثر في الغالب في السياسات الاقتصادية والاتفاقيات الدولية نفسها. لذلك فإن أي محاولة لفرض قواعد جبائية أكثر عدالة تصطدم مباشرة بمصالح شبكات مالية وتجارية عالمية راكمت نفوذها طوال عقود.
كما أن الإشكال لا يتعلق بالشركات، بل أيضا بطبيعة النظام المالي العالمي الذي يسمح بوجود ملاذات ضريبية وآليات قانونية ومحاسبية تجعل من السهل تحويل الأرباح وإخفاء الثروات. ولهذا فإن الحديث عن العدالة الجبائية يقود بالضرورة إلى سؤال أعمق مفاده هل يمكن فعلا إصلاح النظام الاقتصادي العالمي من الداخل، أم أن موازين القوى الحالية ستمنع أي تغيير جوهري؟

تحولات مهمة

و تظهر أهمية التحولات الجيوسياسية الجارية، حيث يتجه العالم تدريجيا نحو تعددية قطبية تقلص من الهيمنة المطلقة التي طبعت العقود الماضية بصعود الصين، وعودة روسيا كلاعب دولي، واتساع دور قوى إقليمية جديدة، وكلها عوامل فتحت المجال أمام الدول النامية لإعادة طرح قضايا كانت تعتبر سابقا شبه مستحيلة داخل المؤسسات الدولية.
ولعل اللافت أن ملف العدالة الجبائية بدأ يحظى بدعم متزايد حتى من بعض الدول الأوروبية التي باتت بدورها تواجه تحديات مرتبطة بتهريب الأرباح وتراجع العائدات الجبائية  وهذا ما يفسر التحول التدريجي في الخطاب الدولي من الدفاع المطلق عن حرية الأسواق إلى الحديث عن “تنظيم العولمة” وفرض حد أدنى من العدالة المالية.
في المقابل يبدو نجاح هذا التوجه  رهينا بقدرة الدول النامية نفسها على بناء رؤية موحدة وعدم الاكتفاء بالمواقف الرمزية، لان المشكلة في كثير من الأحيان لا تكمن فقط في القواعد الدولية، بل أيضا في هشاشة الاقتصادات المحلية وضعف أنظمتها الجبائية والرقابية، إضافة إلى اعتمادها المفرط على التداين الخارجي والاستثمارات الأجنبية دون بناء قاعدة إنتاج وطنية قوية.
ومن هنا تصبح العدالة الجبائية جزءا من مفهوم أوسع يتعلق بالسيادة الاقتصادية، فالدولة التي لا تستطيع حماية مواردها أو التحكم في دورة الثروة داخل اقتصادها ستبقى رهينة للتوازنات الخارجية مهما رفعت من شعارات الاستقلال والسيادة.
وبالعودة الى بلادنا، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة، فالاقتصاد التونسي يعيش منذ سنوات تحت ضغط المديونية والعجز المالي وضعف الاستثمار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تمويل التنمية وتحسين الخدمات العمومية وخلق فرص العمل. وبالتالي فإن أي إصلاح جبائي عالمي يمكن أن يفتح لتونس ولغيرها من الدول النامية هامشا أوسع لاستعادة جزء من الموارد المهدورة.
لكن الرهان الحقيقي لا يقتصر على المطالبة بتغيير القواعد الدولية، بل يرتبط أيضا بقدرتنا على إصلاح منوالها الاقتصادي الداخلي، وتطوير إدارتها الجبائية، وربط الاستثمار بالإنتاج والقيمة المضافة الحقيقية بدل الاقتصار على منطق المناولة والامتيازات الظرفية.

Related posts

غدا الثلاثاء.. العياشي الهمامي يمثل أمام قطب مكافحة الإرهاب

marwa

بالفيديو….الفصول الإضافية تؤجل التصويت على قانون المالية

صابر الحرشاني

النادي البنزرتي : الهيئة التسييرية تعلن الانسحاب

صابر الحرشاني

Leave a Comment