35.3 C
تونس
25 يونيو، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

من الاعتمادات إلى الإنجاز: هل تدخل المشاريع العمومية في تونس مرحلة الحسم؟

لم يعد الحديث عن التنمية في بلادنا مرتبطا بحجم الاعتمادات المرصودة له فحسب أو بعدد المشاريع المبرمجة، بل أصبح التحدي الحقيقي يتمثل في القدرة على تحويل الأموال والبرامج والمخططات إلى منجزات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وفي هذا السياق، يكتسي المجلس الوزاري الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري لمتابعة تقدم المشاريع التنموية بكامل ولايات الجمهورية أهمية خاصة، لأنه يعكس توجهاً رسمياً نحو معالجة واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً في الإدارة التونسية: الفجوة بين البرمجة والإنجاز.

لقد تراكمت خلال السنوات الماضية عشرات المشاريع المعطلة أو المتأخرة بسبب تعقيدات إدارية وعقارية وفنية، ما جعل التنمية في العديد من الجهات رهينة عراقيل مزمنة أضعفت ثقة المواطنين في قدرة الدولة على الإيفاء بتعهداتها. لذلك يبدو أن السلطة التنفيذية تسعى اليوم إلى الانتقال من منطق متابعة الملفات على الورق إلى منطق الرقابة الميدانية والمحاسبة المباشرة على النتائج.

التنمية الجهوية… عنوان المرحلة القادمة

الرسالة الأبرز التي حملها المجلس الوزاري تتمثل في اعتبار المشاريع العمومية أولوية وطنية استراتيجية وليست مجرد برامج قطاعية معزولة. فالدولة تراهن على هذه المشاريع لتحقيق النمو الاقتصادي وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية بين مختلف الجهات، خاصة في ظل التفاوت التنموي الذي ما يزال قائماً بين المناطق الساحلية والداخلية.

ويكشف استعراض المشاريع الجارية في قطاعات البنية التحتية والطرقات والطاقة المتجددة والصحة والنقل والتربية والفلاحة والصناعة والسياحة وغيرها عن حجم الرهان المطروح أمام الحكومة. فنجاح هذه المشاريع لا ينعكس فقط على تحسين الخدمات الأساسية، بل يحدد أيضاً قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل وتحريك الدورة الاقتصادية في الجهات.

ومن هذا المنطلق، جاء التشديد على دور الولاة والمسؤولين الجهويين باعتبارهم الحلقة الأقرب إلى واقع المشاريع وإشكالياتها اليومية، بما يجعل المتابعة الميدانية المباشرة شرطاً أساسياً لتجاوز التعطيلات التي كثيراً ما كانت تؤدي إلى تجميد المشاريع أو إطالة آجال إنجازها.

أموال أكثر… لكن التحدي في التنفيذ

من المعطيات اللافتة التي تم تقديمها خلال المجلس الوزاري الارتفاع الملحوظ في اعتمادات الاستثمار العمومي، حيث انتقلت من 4.7 مليار دينار سنة 2023 إلى 6.5 مليار دينار سنة 2026، أي بزيادة تناهز 38 بالمائة خلال أربع سنوات.

غير أن هذا الرقم، على أهميته، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تكفي زيادة التمويلات لتحقيق التنمية؟

الجواب الذي قدمته الحكومة كان واضحاً؛ فالإشكال لم يعد في توفير الأموال بقدر ما أصبح في تحويل هذه الأموال إلى مشاريع منجزة على أرض الواقع. فعديد التجارب السابقة أثبتت أن الاعتمادات قد تبقى مجمدة لسنوات بسبب تعقيدات الصفقات العمومية أو النزاعات العقارية أو ضعف جاهزية المشاريع أو قصور بعض المقاولات المكلفة بالإنجاز.

لذلك فإن نجاح مخطط التنمية 2026-2030 لن يقاس بحجم الاعتمادات المرصودة له فقط، بل بمدى قدرة الدولة على تجاوز هذه العراقيل وتحقيق نسب إنجاز فعلية في الآجال المحددة.

نحو إدارة استباقية بدل معالجة الأزمات  

لعل أبرز ما يميز المقاربة الجديدة التي طرحتها الحكومة هو التركيز على الاستشراف والإنذار المبكر بدل انتظار ظهور المشاكل. فقرار تطوير منصة رقمية متقدمة لمتابعة المشاريع ورصد مؤشرات التعطل والمخاطر المحتملة يمثل محاولة للانتقال إلى إدارة تعتمد المعطيات والتحليل الرقمي في اتخاذ القرار.

كما أن التوجه نحو تعزيز الرقابة المسبقة على المقاولات وتحسين جاهزية المشاريع قبل الانطلاق في تنفيذها واعتماد إجراءات أكثر مرونة في إبرام الصفقات العمومية يعكس إدراكاً متزايداً بأن التعطيلات لا تبدأ أثناء الأشغال فقط، بل غالباً ما تنشأ في المراحل الأولى من الإعداد والتخطيط.

هذا التحول، إذا تم تطبيقه بصرامة ونجاعة، يمكن أن يشكل نقطة انعطاف مهمة في إدارة الاستثمار العمومي، ويقلص من كلفة التأخير والهدر المالي التي تحملتها الدولة لسنوات طويلة.

في النهاية، تبدو الرسالة  واضحة حيث ان بلادنا  لا تحتاج مزيد من المشاريع المعلنة بقدر حاجتها إلى مشاريع منجزة. فالمواطن لن يقيس نجاح السياسات العمومية بعدد الاجتماعات أو حجم الاعتمادات، وإنما بما يراه من طرقات ومستشفيات ومدارس ومناطق صناعية ومواطن شغل تتحقق فعلياً على أرض الواقع. وبين الطموحات المرسومة في مخطط التنمية 2026-2030 وقدرة الإدارة على التنفيذ السريع والناجع، سيتحدد جزء مهم من مستقبل التنمية في البلاد خلال السنوات القادمة.

Related posts

مشروع قانون الهياكل الرياضية في لقاء رئيس الجمهورية بوزير الشباب

صابر الحرشاني

ارتفاع هام في عائدات زيت الزيتون

محمد بن محمود

العثور على التركية المفقودة في المنستير

Mohamed mabrouk Sallami

Leave a Comment