رفع العقوبات الدائم عن إيران معقد وسيستغرق سنوات
يرى خبراء أن إيران ستستفيد من إيرادات بالمليارات بعد رفع العقوبات المؤقت، إلا أنهم يحذرون من صعوبة رفع العقوبات الدائم عنها، بسبب التعقيدات السياسية والقانونية والتجارية والإجراءات الكثيرة التي يحتاجها تفكيك منظومة العقوبات المتراكمة على طهران منذ عقود.اذ من المتوقع أن تجني طهران مليارات الدولارات بعد الإعفاء المؤقت من العقوبات الأميركية الذي أُعلن عنه الإثنين الماضي، لكن عددا من الخبراء يتفقون على أن رفع القيود المفروضة منذ أكثر من 40 عاما ينطوي على تحديات قانونية وسياسية وتجارية سوف تستغرق معالجتها سنوات. وتتمحور المسألة حول ما إذا كان الاتفاق الأميركي المؤقت مع إيران يمكن أن يتحول إلى تخفيف اقتصادي دائم، في ظل تعقيد تفكيك نظام عقوبات يمتد عبر القانون الأميركي والإجراءات الدولية ومخاوف من المخاطر لدى القطاع الخاص.
وفرضت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على إيران؛ تشمل حظرا تجاريا وتجميد أصول منذ أواخر السبعينيات بسبب برنامجها النووي، واتهامها بانتهاكات في مجال حقوق الإنسان، ودعمها لحركات وفصائل مسلحة في أنحاء المنطقة.وبموجب مذكرة التفاهم التي وقّعت عليها الولايات المتحدة وإيران الأسبوع الماضي، من المقرر أن تبدأ واشنطن بإلغاء جميع أنواع العقوبات وفق جدول زمني سيُحدّد ضمن اتفاق نهائي بين الطرفين خلال فترة المفاوضات الحالية، التي تستمر 60 يوما قابلة للتمديد.وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصا عاما مؤقتا، الإثنين، يسمح بإنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والبترولية إيرانية المنشأ، حتى 21 أوت القادم.
وسيكون رفع العقوبات المتبقية، إذا حدث، تحولا ضخما في السياسة الأميركية تجاه طهران، بعدما صبّت تركيزها فترة طويلة على كبح نفوذ إيران واستخدام الضغط المالي لإضعاف نظامها الحاكم.وسيكون ذلك صعبا أيضا، إذ يتطلب إجراءات تنفيذية لبعض التدابير، وموافقة الكونغرس على تدابير أخرى، وتنسيقا وثيقا مع الأمم المتحدة ودول أخرى فرضت عقوباتها الخاصة. وربما تحد الشركات من تأثير رفع العقوبات في ظل توخيها الحذر بعد عقوبات مستمرة منذ عشرات السنين.وقال نائب مستشار الأمن القومي لمكافحة الإرهاب في عهد الرئيس الأسبق، جورج دبليو بوش، خوان زاراتي، “لديك هذا العش المتشابك من العقوبات، ولا يتعلق الأمر بالأوامر التنفيذية فحسب، بل بعقوبات الكونغرس أيضا”.
الكونغرس متشكك
فرضت واشنطن عقوبات على إيران أول مرة في عام 1979، بعد أن سيطر طلاب ثوريون على السفارة الأميركية في طهران، واحتجزوا دبلوماسيين رهائن.ومنذ ذلك الحين، أقر الكونغرس 6 قوانين عقوبات، وأصدر رؤساء أميركيون أوامر تنفيذية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، ودعم طهران لفصائل وحركات تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية، حماس، وحزب الله اللبناني، والحوثي في اليمن.وتشير بيانات وزارة الخزانة الأميركية، إلى أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع للوزارة فرض منذ أوائل عام 2025 عقوبات على أكثر من 1000 شخص وسفينة وطائرة.
وقال جيريمي بانر، الشريك في شركة المحاماة “هيوز هابارد أند ريد”، والمسؤول السابق في سلطات فرض العقوبات الأميركية، إن شطب آلاف الكيانات المدرجة على قوائم العقوبات سيستغرق من مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عاما على الأقل.وبوسع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلغاء الأوامر التنفيذية الصادرة بشأن إيران، لكن بعض الإجراءات، بما في ذلك العقوبات المفروضة على حماس وحزب الله، تنص عليها القوانين، ولن تُرفَع أو تُعدّل إلا من قِبَل الكونغرس، في ظل استقبال الاتفاق المؤقت بالفعل بانتقادات علنية حادة من مشرّعين ينتمون إلى الحزب الجمهوري، الذي ينتسب إليه ترامب.
وقال مات زويغ، المدير الإداري للسياسات في “إف دي دي أكشن”، ذراع الضغط التابعة لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن التراجع عن عقوبات مفروضة منذ 40 عاما سيكون صعبا.وأضاف زويغ، وهو مساعد سابق في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، أن “أي محاولة لإزالة شريحة تلو الأخرى من العقوبات على نحو شامل ستكون أشبه بتقشير بصلة، إذ ستعرض الإدارة ليس فقط لتعقيدات قانونية بل لمخاطر سياسية”.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الترخيص الصادر أمس، الإثنين، قد يحقق عائدات بقيمة 3 مليارات دولار لإيران على مدى شهرين.وقال إدوارد فيشمان، الباحث الكبير في مجلس العلاقات الخارجية، إن هذا المبلغ ربما يصل إلى “عشرات المليارات من الدولارات على الأقل” إذا أصبح الترخيص دائما، مما يلغي الخصومات على سعر النفط الإيراني، ويسمح لطهران بالبيع لمشترين إضافيين خارج الصين، ويزيد من الصادرات. ويُذكر أن الصين تشتري حاليا حوالي 90% من النفط الإيراني، على الرغم من العقوبات.والترخيص الجديد أوسع نطاقا من الترخيص الذي صدر في مارس الماضي، إذ لا يقتصر على النفط والمنتجات البترولية فحسب، بل يشمل الخدمات المصرفية وخدمات التأمين والنقل المرتبطة بتجارة النفط، مما يمنح طهران وصولا أسرع إلى إيراداتها.
وقالت ستيفاني كونور، وهي مسؤولة سابقة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، “هناك عدد من القضايا الشائكة المرتبطة بذلك”، مضيفة أن رفع العقوبات قد يعني تدفق الأموال إلى حركات وفصائل تعدّها الولايات المتحدة تهديدا.وتساءلت “هل سنسمح حقا بتدفق الأموال إلى الحرس الثوري الإسلامي الإيراني؟”، فالولايات المتحدة تصنف قوات الحرس الثوري منظمة إرهابية أجنبية.
الشركات حذرة من استئناف التعامل مع إيران
من المرجح أن تواجه البنوك وشركات النفط والتأمين لوائح متغيرة، وإجراءات تدقيق أكثر صرامة، والتعرض لمخاطر التهرب من العقوبات المرتبطة بصلات إيران مع دول مثل الصين وكوريا الشمالية وروسيا، وسوف تظل ممتثلة لعقوبات منفصلة من بريطانيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجهات أخرى.وقال زاراتي “لقد أخفنا الأسواق إلى حد ما بمخاطر ممارسة الأعمال مع إيران أو عبرها، لذلك لا يمكنك ببساطة أن تضغط على زر وتقول: نعم، أصبح الآن من المقبول ممارسة الأعمال مع إيران”.
ولا تزال الشركات التي تتعامل مع إيران تواجه دعاوى قضائية من ضحايا هجمات، إذ يمكن للضحايا مقاضاة المستثمرين والشركات بتهمة مساعدة جماعات مدرجة بموجب قانون (العدالة ضد رعاة الإرهاب) الصادر عام 2016، والذي يقول مساعدون إن من غير المرجح إلغاؤه.وقال بريت إريكسون، المدير في شركة الاستشارات “أوبسيديان ريسك أدفايزرز”، إنه بالنظر إلى هذه المخاطر، ربما تبتعد الشركات عن التعامل مع إيران لتجنب المخاطر القانونية والمخاطر المتعلقة بالسمعة ما دام النظام الإيراني في السلطة.وقال “لن نشهد التزامات ضخمة بمليارات الدولارات حتى تصبح الأمور أكثر رسوخا واستقرارا من الناحية السياسية. لا يزال الطريق طويلا”.
