أشار ضباط كبار إلى أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، بعد تعيينه في منصبه، قد تراجَع عن مواقف عبّر عنها قبل التعيين، وعندما كان يتولى منصب مدير عام وزارة الأمن، من بينها تراجعه عن تأييده لمطلب تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاق 7 أكتوبر، وأصبح يدعو إلى إجراء تحقيق عسكري، بعد تعيينه رئيسا لأركان الجيش.
وقال ضابط كبير سابق إنه بعد تغيير زامير لموقفه “أدركنا أن هذا ليس إيال زامير الذي كنا نعرفه، وهذا التغيير لم ينجم عن إدراك مهني جديد وإنما هو استسلام. وقد أدرك زمير أنه في حرب حول ميزانية الأمن وخطته المتعددة السنوات مع رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، وقرر أن هذا تنازل معقول”.
وأضاف أن “المأساة هي أنه إذا تنازلتَ في ملعب نتنياهو عن مبدأ أساسي، مثل لجنة تحقيق رسمية، فإنك لا تحصل على أي شيء في المقابل، وإنما تُعتبر أنك ضعيف”، حسبما نقلت صحيفة “هآرتس” عن الضابط اليوم، الجمعة.
وقال ضابط كبير سابق كان يشارك في اجتماعات الكابينيت السياسي الأمني، إن “زامير لم يلتزم بأبسط اتفاق بين ضابط والجنود، وهو أنه لا يتم أبدا إرسال جنود إلى معركة هدفها ليس أمن إسرائيل أو الحفاظ على مواطنين، وقد أدخل الجيش الإسرائيلي أكثر من مرة إلى عمليات عسكرية انطلاقا من اعتبارات سياسية، وهذا أمر يُحظر أن يحدث”.
وبحسب الصحيفة، أصبح زامير رئيس هيئة أركان عاما معزولا ومرتدعا، ونقلت عن مصدر مقرب منه قوله، إن “بنيامين وسارة نتنياهو أدركا تماما لماذا عيّناه. لأنه بكل بساطة شخص ضعيف. وقراره بألّا يتحدى المستوى السياسي وأن يستجيب مرة تلو الأخرى للمطالب، لا يضعفه شخصيا فحسب، وإنما يفكك الجيش الإسرائيلي”.
وأضافت الصحيفة أن صلاحيات زامير تراجعت بالمطلق في قضية تعيين الضباط، التي فرض فيها وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، ونتنياهو، قرارهما، بدون أن يبدي رأيه، واضطر إلى الموافقة عليها.
وقال ضابط كبير سابق بشأن ذلك، إنه “عندما يرون في الجيش أن رئيس هيئة الأركان العامة يتنازل عن صلاحيته الأساسية، فإن الرسالة تتغلغل، ويدرك الضباط أن الطريق إلى رتبة أو منصب هام لا تمر من خلال التفوق في القتال، أو الإخلاص للأوامر، وإنما في مكتب وزير الأمن، أو في بلفور (مقر سكن رئيس الحكومة الرسمي)، وهكذا تفكِّك الحكومة الهرمية القيادية للجيش”.
وقال ضابط سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية، إن ضعف زامير وخضوعه للمستوى السياسي برز في الحرب على إيران، إذ “سقط زامير في مصيدة شلّته. وكان القتال في إيران مريحا له، ولم يتعين عليه إرسال قوات برية، فهذه كانت معركة جوية استخدمت فيها قدرات شعبة الاستخبارات. لكن هو والجيش تحولوا إلى مقاولين تنفيذ غارات بدون أن يطرح أسئلة. وزامير علم أنه لا يمكن تحقيق الأهداف التي تباهى بها المستوى السياسي، ورغم ذلك صمَت”.
وقال مسؤول في جهاز الأمن، إن استسلام زامير للمستوى السياسي تم التعبير عنه من خلال “التدخل الأميركي المبالغ فيه في القتال الإسرائيلي. وقد استسلم زامير فعلا للقيود العسكرية التي فُرضت علينا، بدون أن يضع خطا أحمر أمام المستوى السياسي”.
وأضاف مصدر أمني شارك في إدارة الحرب، أن “زامير صادق على اغتيالات فاضحة بناء على طلب المستوى السياسي، وهذه قرارات أدت إلى تصعيد كان واضحا أنه سيحدث، ودفع إيران إلى تجاوز عتبة الخوف، وإطلاق صواريخ على إسرائيل مباشرة”.
وأفاد مصدر مقرب من زامير، بأن الأخير أدرك أنه “لا توجد إمكانية واقعية لإسقاط النظام الإيراني، لكن الجيش تحت قيادته استمر في مهاجمة أهداف ثانوية من أجل إرضاء المستوى السياسي”.
وقال مصدر سياسي – أمني شارك في مداولات الكابينيت، إنه في نهاية الحرب على إيران، في العام الماضي، “كان واضحا أن هذه حرب علاقات عامة. وقد تم استهداف الإيرانيين، لكن هذا كان عديم القيمة من الناحية الإستراتيجية. وحقيقة أنه خضنا معركة كبيرة مع الأميركيين في الحرب الثانية، وفي النهاية لم نكن جزءا من المفاوضات السياسية؛ حولتنا إلى ميليشيا، وأثبتت أن كافة الإنجازات العسكرية في الحربين، قد تآكلت”.
ولفتت الصحيفة إلى أن الحرب على لبنان هي “فشل إستراتيجي كبير”، وأن الانتقادات لزامير تتعلق في أن استمرار هذه الحرب عديم الفائدة، ونقلت عن مسؤول في جهاز الأمن قوله، إن “سكان لبنان سيعيدون بناء بيوتهم قبل أن يعود سكان شمال إسرائيل إلى بيوتهم. والمخاطرة بحياة القوات بإدخالهم إلى القرى من أجل هدم بنى تحتية، بدلا من القصف الجوي، تم كي لا تسقط الحكومة الإسرائيلية فقط. وزامير شريك في بيع قصص وشعارات وأجواء ساخنة للجمهور، والجيش توقف في أماكن من دون أن يفعل شيئا في الوقت الذي يتفكك من الداخل”.
وفي ما يتعلق بحرب الإبادة في غزة، قال ضابط كبير مقرب من زامير إن “زامير يتحمل وسيتحمل في المستقبل مسؤولية جرائم ضد الفلسطينيين. وهذا ليس موضوعا بإمكانه فيه أن يختار معركته. وتعين عليه أن يقلب طاولات حول ما يحدث في يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة). وليس معقولا أن يتجاهل رئيس هيئة الأركان العامة، وألا يفكك الوحدات التي أقامها في الحرب، مثل وحدة ’هاغمار’ التي تنكل بالأبرياء. والتسليح الجامح لـ’شبيبة التلال’، وإرهابيون يهود يتجولون بزي عسكري ويحملون أسلحة الجيش الإسرائيلي. هذه مسؤولية مباشرة على كاهله”.
وأضاف أنه “عندما تباهى كاتس بأن الجيش الإسرائيلي سيفعل في مدينة غزة مثلما فعل في بيت حانون، تعين على زامير أن يقف ويقول ’لا’ واضحة. وتعين عليه أن يحافظ على الجيش وعلى القيم في ذلك الوقت، ولم يفعل ذلك. وفي موازاة ذلك، هو يحول الضفة إلى حلبة القتال الأكثر قابلية للاشتعال”.
وفي ما يتعلق بقضية المدعية العامة العسكرية، ييفعات تومير يروشالمي، التي قررت محاكمة خمسة جنود تم توثيق قيامهم بتعذيب أسير فلسطيني، لتقررت الحكومة إقالتها ومحاكمتها، أيّد زامير ذلك، وقال ضابط كبير مطلع على المداولات في مكتب زامير، إنه “ألقى بها إلى الكلاب بكل بساطة، واعتقَد أنه إذا ضحى بها وباستقلالية النيابة العسكرية، فإنه سيحصل على رضا نتنياهو وكاتس. وهذا ليس جبنا فقط، هذا خطأ إستراتيجي، لأنه ألمح للحكومة بأن الجيش منفتح لسيطرة سياسية”.
