41.4 C
تونس
26 يوليو، 2026
الصفحة الأولى وطنية

جلسة حول انقطاعات الكهرباء…كشف للحقائق ام منبر للاتهامات؟


صابر الحرشاني
أثارت العريضة التي تقدم بها 29 نائبا لعقد جلسة عامة حوارية حول أزمة انقطاع الكهرباء نقاشا واسعا بشأن جدوى هذا النوع من الجلسات.
وفي وقت ينتظر فيه التونسيون حلولا واضحة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الجلسة ستفضي إلى قرارات عملية أم ستقتصر على تبادل المواقف
وقد طالب 29 نائبا بعقد جلسة عامة حوارية عاجلة مع المكلف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، بهدف كشف أسباب ما يحدث وعرض خطة الحكومة لتجاوز الأزمة.
وتفتح هذه المبادرة البرلمانية بابا واسعا للنقاش، لا حول أسباب الانقطاعات، وإنما أيضا حول جدوى الجلسات الحوارية نفسها، فهل ستكون -لو وقعت برمجتها- مناسبة للحصول على إجابات دقيقة والتزامات واضحة، أم أنها ستتحول إلى فضاء لتبادل الاتهامات والخطابات السياسية في وقت ينتظر فيه التونسيون حلولا عملية تعيد الاستقرار إلى المنظومة الكهربائية؟

أزمة تجاوزت حدود الانقطاعات

جاءت العريضة البرلمانية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع موجة حر غير مسبوقة رفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات قياسية، نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف والتبريد.
ومع هذا الضغط المتزايد، شهدت عدة مناطق انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، أثرت في المنازل والمؤسسات الاقتصادية والمرافق العمومية.
ويرى النواب الموقعون على العريضة أن استمرار هذه الوضعية لم يعد مقبولا، خاصة بعد أن أصبحت الانقطاعات تتكرر في أكثر من جهة، مخلفة اضطرابا في الحياة اليومية وتعطيلا للإنتاج والخدمات، معتبرين أن المؤسسات الصحية والإدارية والتربوية تحتاج إلى تزويد مستقر بالكهرباء، وأن أي اضطراب في هذا الجانب قد تكون له انعكاسات مباشرة على سلامة المواطنين وجودة الخدمات.
وانطلاقا من ذلك، طالب أصحاب المبادرة بعقد جلسة عامة يحضرها الوزير المكلف بتسيير وزارة الصناعة، لتقديم توضيحات بشأن الأسباب الحقيقية للأزمة، ومدى جاهزية منظومات الإنتاج والنقل والتوزيع لمواجهة ذروة الاستهلاك، وحجم الاستثمارات التي وجهت خلال السنوات الماضية لصيانة الشبكات وتحديثها، إضافة إلى الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لمنع تكرار هذه الانقطاعات.
كما دعا النواب إلى كشف وضعية الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وبرنامج الدولة لدعمها، مع نشر المعطيات المتعلقة بالأزمة بكل شفافية حتى يكون الرأي العام على اطلاع بحقيقة الوضع.

بين الرقابة والانتظارات الشعبية

من الناحية الدستورية، يعد طلب عقد جلسة حوارية ممارسة عادية لإحدى أهم أدوات الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة، فالفصل 114 من دستور 2022 منح البرلمان صلاحيات رقابية، بينما ينص النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على إمكانية تنظيم جلسات دورية للحوار مع الحكومة أو أحد أعضائها حول السياسات العمومية والنتائج المحققة أو المنتظر تحقيقها.
وتبدأ هذه الجلسات عادة بعرض يقدمه عضو الحكومة المعني، قبل فتح باب تدخلات النواب والإجابة عن أسئلتهم، بما يسمح – نظريا – بتبادل المعطيات وتوضيح الخيارات الحكومية أمام الرأي العام.
غير أن التجربة البرلمانية خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن عدد هذه الجلسات ظل محدودا مقارنة بعدد الجلسات التشريعية، كما أن بعضها كان فضاء لسجالات سياسية أكثر من كونها مناسبة للوصول إلى حلول أو التزامات قابلة للقياس.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من التونسيين اليوم: هل ستكون الجلسة المرتقبة مختلفة؟ وهل ستفضي فعلا إلى كشف أسباب الأزمة وتحديد المسؤوليات والإعلان عن برنامج واضح للإنقاذ، أم أنها ستكتفي بتبادل المواقف دون نتائج ملموسة؟

ما الذي ينتظره المواطن؟

الاهتمام الشعبي بهذه الجلسة – ان وجد فعلا- لا يرتبط بالرغبة في متابعة نقاش سياسي جديد، وإنما بالحاجة إلى إجابات عملية، فالمواطن الذي انقطعت عنه الكهرباء لساعات يريد أن يعرف لماذا حدث ذلك، وهل ستتكرر الانقطاعات، وما هي الإجراءات التي ستمنع تكرارها خلال بقية الصيف.
كما ينتظر أصحاب المؤسسات الاقتصادية والمصانع والتجار معطيات دقيقة حول قدرة الشبكة على تلبية الطلب خلال الأسابيع المقبلة، خاصة أن أي انقطاع قد يترتب عنه تعطيل للإنتاج وخسائر مالية مباشرة بمعنى ان الجميع ينتظرون رؤية واضحة حول كيفية ضمان استمرارية الخدمات الأساسية في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه الشبكة.
لذلك فإن نجاح اي مبادرة مرتبط اساسا بالقدرة على تقديم معلومات دقيقة حول واقع المنظومة الكهربائية، والإعلان عن إجراءات محددة بآجال واضحة، مع تحميل المسؤوليات على أساس الوقائع والأرقام.

ماذا تقول الشركة؟

في المقابل، أوضحت الشركة التونسية للكهرباء والغاز في بيانات رسمية سابقة أنها اضطرت إلى اعتماد قطع ظرفي ومحدود للتيار الكهربائي في بعض المناطق حفاظا على استقرار المنظومة الكهربائية الوطنية، مؤكدة أن هذا الإجراء يهدف إلى تجنب انهيار أوسع للشبكة في ظل الضغط الاستثنائي المسجل خلال ساعات الذروة.
وأشارت الشركة إلى أن مستويات الاستهلاك بلغت أرقاما غير مسبوقة بسبب موجة الحر، وأن الفرق الفنية تواصل العمل لإعادة التيار في أسرع وقت ممكن، مع تثمين جهود الأعوان الذين يباشرون تدخلاتهم في ظروف صعبة.
كما حرص النواب في عريضتهم على عدم تحميل أعوان الشركة مسؤولية الأزمة، معتبرين أن الإشكال يرتبط أساسا بالسياسات العمومية، ومستوى الاستثمار في البنية التحتية، ووضعية المؤسسة المالية، وهو ما يجعل النقاش يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى الخيارات الاستراتيجية المتعلقة بالطاقة.

أزمة تتجاوز حرارة الصيف

و رغم أن موجة الحر الحالية سرعت في ظهور الأزمة، فإن عددا من المختصين يعتبرون أن ارتفاع درجات الحرارة كشف هشاشة تراكمت على امتداد سنوات، نتيجة تقادم جزء من الشبكات، وارتفاع الطلب السنوي على الكهرباء، وتأخر تنفيذ مشاريع إنتاج جديدة وتوسعة بعض البنى الأساسية.
وتشير المؤشرات إلى أن التغيرات المناخية ستجعل موجات الحر أكثر تكرارا، وهو ما يعني أن الضغوط على المنظومة الكهربائية قد تصبح وضعا متكررا خلال كل صيف، الأمر الذي يفرض اعتماد رؤية بعيدة المدى تقوم على تحديث الشبكات، وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، و من هذه المنطلقات يمكن ان تمثل الجلسة الحوارية المرتقبة فرصة مهمة أمام الحكومة لتقديم روايتها الكاملة حول ما حدث، كما تمثل اختبارا للبرلمان في ممارسة دوره الرقابي بعيدا عن الخطابات العامة.
ومن المعلوم ان الرقابة البرلمانية لا تحقق أهدافها بمجرد توجيه الأسئلة أو تسجيل المواقف، وإنما عندما تنتهي إلى إلزام الحكومة بتقديم معطيات دقيقة، وجدول زمني للإصلاح، وآليات متابعة تضمن تنفيذ التعهدات.
أما إذا تحولت الجلسة إلى مجرد منصة لتفريغ الغضب أو تبادل الاتهامات والمزايدات، فإنها ستضيف نقاشا سياسيا جديدا إلى أزمة قائمة، دون أن تقدم للمواطن الإجابة التي ينتظرها: متى تنتهي الانقطاعات؟ وكيف ستمنع الدولة تكرارها؟

Related posts

اعتماد مضمون الولادة المستخرج عبر بوابة e-bawaba في جميع الإجراءات الإدارية الخاصة بوزارة الداخلية

Na Da

وزيرة المرأة تلتقي الامينة العامة للجنة الوطنية الاردنية لشؤون المرأة

marwa

بن عروس: السيطرة على حريق اندلع بمصنع بلاستيك

Moufida Ayari

Leave a Comment