26.5 C
تونس
30 يوليو، 2026
الصفحة الأولى رأي

رأي على هامش الحدث…هل احترقت ضمائرنا قبل الغابات؟

صابر الحرشاني

اثارت مشاهد الحرائق الملتهبة بفعل موجة الحر مع حالة اللامبالاة معها من قبل طيف واسع من المواطنين خاصة على شبكة التواصل الاجتماعي جدلا واسعا حول دوافع هذا السلوك المتناقض مع قيم التٱزر التي عرف بها التونسي.

و ليست الحرائق التي شهدتها بلادنا خلال الأيام الأخيرة مجرد ألسنة لهب التهمت مساحات من الغابات والأشجار، أو مجرد خسائر بيئية أو اقتصادية يمكن تعويضها مع مرور الوقت، فكل حريق كبير يترك وراءه أسئلة أكبر من حجم الدمار، ويكشف وجها من وجوه المجتمع في لحظات الاختبار.

ومن المعلوم أن الشدائد لا تظهر  مدى استعداد الدولة فحسب، بل تكشف أيضا طبيعة العلاقات بين الناس، وحجم التعاطف الذي لا يزال يسكن القلوب، وقدرة المجتمع على الإحساس بآلام غيره.

 

احتفال على تخوم المأساة

 

ولعل أكثر ما أثار الجدل لم يكن الحريق في حد ذاته، وإنما تلك المشاهد التي انتشرت على نطاق واسع، حيث كانت النيران والدخان يلفان أجزاء من الغابة، بينما كانت في الجهة المقابلة أجواء الاحتفال مستمرة، والموسيقى تعلو، والتصفيق يتواصل، وكأن ما يحدث لا يعني أحدا.

ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة مهرجان أو نشاط ثقافي أو فني، فالحياة لا تتوقف عند كل أزمة، وليس من المنطقي إلغاء كل مظاهرها كلما وقع حادث في مكان ما. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث لإحساسنا الجماعي؟ وكيف أصبح الإنسان قادرا على رؤية المأساة قريبة منه دون أن تهتز داخله مشاعر التضامن أو القلق؟

لقد عرف التونسي وفق المؤرخون ، عبر تاريخه الطويل، بروح النجدة والتكافل، ففي القرى كما في المدن، كانت المصائب توحد الناس أكثر مما تفرقهم، فإذا مرض أحدهم وجد جيرانه إلى جانبه، وإذا فقد شخص بيته أو محصوله، سارع الجميع إلى تقديم ما يستطيعون.

و لم يكن التضامن يحتاج إلى دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا إلى حملات إعلامية، بل كان سلوكا تلقائيا تمليه الأخلاق قبل أي شيء آخر.

ومع التنسيب يبدو  المشهد اليوم مختلفا إلى حد بعيد، حيث لم تعد المأساة التي لا تمس الإنسان مباشرة قادرة دائما على استنفار مشاعره، وكأن المجتمع بدأ يتعود على صور الألم حتى فقد جزءا من حساسيته تجاهها، ذلك ان تكرر الحرائق، وتتكرر الحوادث، وتتكرر الكوارث، تقابلع ردود الفعل تصبح مع الوقت أكثر برودة، وكأن الاعتياد على الأخبار المؤلمة أفقدها قدرتها على إيقاظ الضمير.

 

انتشار “ثقافة” اللامبالاة

 

الأخطر من الحرائق نفسها هو انتشار ثقافة اللامبالاة. ثقافة تختصر كل شيء في عبارة واحدة: “المهم أنني بخير”، وهي ثقافة لا تهدد  العلاقات الاجتماعية فحسب، بل تهدد فكرة المجتمع نفسها. لأن المجتمع لا يقوم على اجتماع أفراد يعيش كل واحد منهم بمعزل عن الآخر، وإنما يقوم على الشعور بالمصير المشترك. و عندما يفرح الناس معا ويحزنون معا، يصبح الوطن أكثر قوة، أما عندما يتحول كل فرد إلى جزيرة منفصلة، فإن أي أزمة تصبح أكثر خطورة.

و كشفت بعض الشهادات ان فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات والمتطوعون كانوا  يخوضون سباقا مع الزمن لمحاصرة النيران ومنع امتدادها، معرضين أنفسهم للخطر من أجل حماية الأرواح والثروة الطبيعية، و انهم كانوا يجسدون أسمى معاني المسؤولية، في صورة تدفع بالضرورة المجتمع الى المحافظة على الشعور الإنساني، وإسناد كل من يواجه المحنة، وعدم التعامل مع الكوارث بمنطق الفرجة أو اللامبالاة.

إن الحرائق  تلتهم سنوات طويلة من التوازن البيئي. فكل شجرة تحترق تحتاج إلى سنوات حتى تعود مكانها، وكل غابة تتضرر تخسر معها البلاد جزءا من تنوعها الطبيعي ومن قدرتها على مقاومة التصحر والتغيرات المناخية. ولذلك فإن حماية الغابات  هي مسؤولية كل مواطن يدرك أن هذه الثروة ليست ملكا لجيل واحد، وإنما هي أمانة للأجيال القادمة.

غير أن الخسارة البيئية، مهما كانت كبيرة، تبقى قابلة للتعويض. يمكن غرس آلاف الأشجار، ويمكن إعادة تهيئة الغابات، ويمكن إصلاح ما أفسدته النيران. أما إذا احترق الضمير الإنساني، فإن إعادة بنائه تصبح أكثر صعوبة. 

وبكل اسف فان وسائل التواصل الاجتماعي قد فرضت واقعا جديدا، فأصبح الإنسان يشاهد عشرات المآسي يوميا من مختلف أنحاء العالم. ومع كثرة المشاهد المؤلمة، نشأت حالة من التبلد العاطفي لدى كثيرين، حتى صار الخبر الذي كان يهز الضمير قبل سنوات يمر اليوم مرور الكرام. وهذه واحدة من أخطر نتائج العصر الرقمي، 

إن ما تحتاجه البلاد اليوم ليس فقط خططا أكثر تطورا لمقاومة الحرائق، ولا تجهيزات إضافية، رغم أهميتها، وإنما تحتاج أيضا إلى استعادة الإحساس بالمسؤولية الجماعية. فكل مواطن مطالب بأن يشعر أن ما يصيب جزءا من الوطن يصيبه هو أيضا، وأن ألم الآخرين ليس شأنا يخصهم وحدهم.

 

 

Related posts

برنامج بقية مقابلات الجولة الثانية اياب….قمة في سوسة و تحدي في رادس

صابر الحرشاني

بحضور وزير التعليم العالي والبحث العلمي:توزر تحتضن المنتدى الدولي للتصميم والصحراء والتنمية المستدامة

صابر الحرشاني

إصابة ثنائي منتخب مصر أمام زيمبابوي

صابر الحرشاني

Leave a Comment