9 أغسطس، 2026
التحقيقات الصفحة الأولى

بسبب الحرب على ايران…. “معركة القوارير” تهدد المياه المعلبة في تونس

صابر الحرشاني

لم تكن الحرب في الشرق الأوسط بعيدة عن تفاصيل الحياة اليومية في تونس كما قد يبدو للوهلة الأولى، فبعد أشهر من اضطراب حركة النقل والأسواق العالمية، بدأت تداعيات التوتر العسكري حول إيران ومضيق هرمز تظهر في قطاع المياه المعدنية المعلبة.

وخلال الأيام الأخيرة، شهدت السوق نقصا لافتا في قوارير المياه المعلبة، تزامن مع ارتفاع أسعار بعض المنتجات في نقاط البيع، وسط إقبال متزايد من المواطنين على التخزين، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار اضطرابات التزود بالماء الصالح للشراب في عدد من المناطق.

وللوهلة الأولى يبدو الأمر مرتبطا بارتفاع الطلب فقط، غير أن خلف رفوف المحلات الفارغة قصة أخرى تتعلق بمادة بلاستيكية أساسية في صناعة القوارير، وبسلاسل توريد تمتد من تونس إلى الأسواق الآسيوية وممرات الشحن الدولية.

صعوبات تزود

والمفارقة أن الأزمة التي ظهرت في سوق المياه لم تبدأ من منابع المياه المعدنية، وإنما من القارورة التي تحتويها.

وتحتاج مصانع المياه المعدنية إلى القوارير البلاستيكية، أو إلى القوالب الأولية المعروفة باسم «préformes»، التي يتم تصنيعها أساسا من مادة PET، وهي مادة تدخل في صناعة قوارير المياه والمشروبات.

وتفيد المعطيات التي نشرتها منظمة “ألارت” في نهاية جويلية الماضي بأن مصنعي البلاستيك في تونس واجهوا صعوبات في التزود بالحبيبات الأساسية اللازمة لإنتاج هذه القوالب، وأن جزءا من هذه المواد يورد من الخارج، خصوصا من الصين.

وربطت المنظمة اضطرابات التوريد بالتوترات التي طالت حركة النقل البحري في منطقة مضيق هرمز، محذرة من إمكانية استمرار النقص بين 15 و21 يوما في أوت.

والـPET نفسه مادة مرتبطة بالصناعة البتروكيميائية، ولذلك فإن أي اضطراب كبير في هذه السلسلة يمكن أن يرفع كلفة المواد الأولية أو يؤخر وصولها إلى المصانع.

وقد شهدت الأسواق العالمية بالفعل اضطرابات في أسعار البلاستيك منذ اندلاع الحرب، مع تأثر إنتاج وتصدير المواد البتروكيميائية في منطقة الشرق الأوسط، التي تعد من المناطق الرئيسية عالميا في إنتاج وتصدير البوليمرات.

ومع ذلك، فإن تحميل الحرب على إيران كامل مسؤولية نقص المياه المعلبة في تونس سيكون تبسيطا للمشهد.

فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن السوق التونسية واجهت أزمة مركبة. فمن جهة، هناك صعوبات في التزود بالمواد الأولية البلاستيكية المستوردة، ومن جهة ثانية سجلت بعض وحدات إنتاج وتعليب المياه اضطرابات مرتبطة بانقطاعات الكهرباء، أدت إلى توقف أو تباطؤ الإنتاج في عدد من الوحدات.

وقد أشارت تقارير إلى أن الانقطاعات الكهربائية تسببت في أضرار مادية وتعطيلات مؤقتة في بعض مصانع المياه، قبل أن تعود وحدات الإنتاج تدريجيا إلى العمل بصورة متواصلة، ثم يأتي العامل الثالث، وربما الأكثر مباشرة، وهو الطلب القياسي.

ومن الثابت ان الصيف الحالي تزامن مع درجات حرارة مرتفعة جدا، ومع حاجة متزايدة إلى المياه المعلبة في ظل اضطرابات التزود بمياه الشبكة في عدد من المناطق.

وتفيد المعطيات المنشورة بأن تونس تضم 31 وحدة لتعليب المياه المعدنية بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 520 ألف قارورة في الساعة، فيما يمكن أن يصل الطلب خلال فترات الذروة إلى نحو 10 ملايين لتر يوميا.

أي أن القطاع دخل مرحلة تعمل فيها جميع العوامل في الاتجاه نفسه: طلب مرتفع جدا، إنتاج يتعرض لبعض الاضطرابات، وتوريد لمواد أولية حساسة يتأثر بما يحدث في الخارج.

لماذا ارتفعت الأسعار؟

أما ارتفاع الأسعار فهو ملف آخر يحتاج إلى بعض التدقيق، فالنقص في السوق يمكن أن يؤدي بصورة طبيعية إلى ضغط على الأسعار، لكن ذلك لا يعني أن مصانع المياه رفعت أسعارها بالضرورة.

وفي الأيام الأخيرة، أفادت معطيات عن تحسن الإمدادات وعودة السوق تدريجيا إلى نسقها الطبيعي، فيما وجهت اتهامات إلى بعض التجار والموزعين باستغلال فترة النقص لرفع الأسعار، وهو ما نفته أو لم تؤكده الجهات المنتجة باعتباره زيادة عامة في أسعار الإنتاج.

وهنا يجب التمييز بين سعر المنتج من المصنع وسعر البيع للمستهلك. فإذا ارتفعت كلفة القارورة البلاستيكية أو النقل أو الطاقة، فإن ذلك قد يرفع الكلفة الصناعية. لكن الزيادة التي يلاحظها المواطن على الرف قد تكون أيضا مرتبطة بهوامش التوزيع وبظروف السوق وبالمضاربة خاصة خلال فترات النقص.

وبالتالي فإن القارورة التونسية ليست تونسية بالكامل من الناحية الصناعية؛ فحتى عندما يتم تعليب الماء محليا، فإن جزءا من سلسلة القيمة يعتمد على مواد تأتي من الخارج.

و من الجيد ان مهنيي القطاع يؤكدون ظرفية الازمة و ان المؤشرات الحالية لا تدعم بالضرورة سيناريو أزمة طويلة في المياه المعلبة.

وقد أعلنت مصادر من القطاع أن نسق التزويد بالسوق عاد إلى مستواه الطبيعي بعد استئناف الإنتاج المتواصل في مختلف الوحدات، إثر توقف قصير شهدته بعض المصانع بسبب أضرار مرتبطة بانقطاعات الكهرباء.

كما أفادت تقارير أن التوتر في السوق يرتبط أساسا باضطرابات مؤقتة في التزويد وبالارتفاع الكبير في الطلب، وليس بقرار عام من المنتجين للترفيع في الأسعار.

لكن ذلك لا يلغي أن الخطر قد يعود إذا استمرت اضطرابات التوريد العالمية أو تجددت مشاكل النقل البحري، خصوصا في فترة يبلغ فيها الطلب على المياه أعلى مستوياته.

Related posts

رحلات مباشرة من التشيك إلى تونس بداية من أفريل

صابر الحرشاني

دراسة صادمة: العنف يطارد الأطباء الشبان

صابر الحرشاني

زلزال بقوة 5.1 درجات يضرب غرب تركيا

صابر الحرشاني

Leave a Comment