9 أغسطس، 2026
ثقافة وإعلام

ظاهرة التهافت على الشامي… عندما يتحول الفنان إلى مرآة لأزمة الذوق العام

صابر الحرشاني

ليس السؤال اليوم لماذا ينجح الفنان السوري الشامي في استقطاب الجماهير، بل لماذا تتحول كل محطة يحل بها إلى حالة من الهوس الجماعي تتجاوز حدود الإعجاب الطبيعي بالفن لتلامس مشاهد يصعب تفسيرها إلا باعتبارها انعكاسا لأزمة أعمق يعيشها المجال الثقافي.

إن ما نشاهده من تدافع وصراخ وإغماءات وتهافت من أجل التقاط صورة أو مصافحة عابرة ليس انتصارا للفن بقدر ما هو انتصار لمنظومة صنعت من الفنان سلعة استهلاكية، ومن الجمهور مستهلكا يبحث عن لحظة انفعال سريعة أكثر مما يبحث عن قيمة فنية باقية.

الشامي، في حد ذاته، ليس المشكلة. فهو فنان يستثمر موهبته ويستفيد من سوق مفتوحة تمنحه الشهرة والأموال، شأنه شأن غيره من الفنانين. لكن المشكلة تكمن في البيئة الثقافية التي تصنع هذه الظواهر وتضخمها، حتى يصبح الاهتمام بمغن واحد يفوق أحيانا الاهتمام بكتاب أو باحث أو مبدع قضى سنوات في إنتاج المعرفة.

لقد أصبحت صناعة الترفيه اليوم إحدى أقوى الصناعات تأثيرا في الوعي الجماعي، مدعومة بخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، وآلة تسويق ضخمة تعرف كيف تحول أغنية إلى حدث، وكيف تصنع من الفنان أيقونة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد. وفي المقابل، يتراجع حضور الثقافة الجادة والفنون الراقية، لتفسح المجال أمام محتوى سريع الاستهلاك، قائم على الإثارة والانفعال أكثر من اعتماده على الجودة والإبداع.

والمؤسف أن بعض المشاهد التي ترافق حفلات الفنانين تعكس حالة من فقدان التوازن؛ إذ يتحول الإعجاب إلى تقديس، والمتعة إلى هستيريا جماعية، حتى يبدو وكأن النجاح مرتبط بحجم الصراخ والتدافع لا بقيمة ما يقدم على المسرح.

إن المجتمعات التي تجعل من المغني بطلها الأول، بينما يعيش المفكر والكاتب والعالم في الظل، مطالبة بمراجعة أولوياتها. فالفن ضرورة، ولا أحد ينكر دوره في الترفيه وبناء الوجدان، لكن تحويله إلى مركز الكون وإلى معيار وحيد للنجاح والشهرة يكشف خللا في منظومة القيم أكثر مما يكشف تميزا لدى الفنان نفسه.

في النهاية، سيغادر الشامي كما غادر غيره، وستظهر أسماء جديدة تخطف الأضواء، لكن السؤال سيبقى قائما هل نريد مجتمعا يحتفي بالإبداع الحقيقي بكل أشكاله، أم مجتمعا تصنع ذائقته منصات التواصل وشركات الإنتاج؟ والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت هذه المشاهد مجرد ظاهرة عابرة، أم عرضا دائما لأزمة ثقافية أعمق.

Related posts

وفاة الفنانة المصرية مها ابو عوف

root

صليحة.. صوت تونس الأعماق: شريط وثائقي عن فنانة صنعت مجدها الغنائي في مسيرة حياتية قصيرة

Ichrak Ben Hamouda

الممثل توفيق البحري في ذمة الله

root

Leave a Comment