7 سبتمبر، 2026
التحقيقات الصفحة الأولى

صائفة 2026 في تونس…دروس لدولة اكثر صمودا



صابر الحرشاني

عاش التونسيون خلال الصائفة المنقضية على وقع ازمات متعددة تضع البلاد امام دروس و رهانات تساعد على بناء دولة اكثر صمود في المستقبل.
وما حدث خلال هذا الصيف هو تعبير عن ترابط متزايد بين المخاطر المناخية والطاقية والمائية والاقتصادية والاجتماعية، وعن مدى هشاشة بعض المنظومات الأساسية عندما تتعرض لضغط متزامن، فالحرارة المرتفعة ترفع الطلب على الكهرباء، واضطراب الكهرباء يمكن أن يؤثر في ضخ المياه، وانقطاع المياه ينعكس على الصحة والخدمات، بينما يمكن أن تؤدي الحرارة والجفاف إلى زيادة مخاطر الحرائق، فتتوسع دائرة التأثير لتشمل النقل والاتصالات والإنتاج والخدمات و غيرها.
إن الدرس الأساسي من صائفة 2026 لا يتعلق فقط بكيفية التعامل مع أزمة بعد وقوعها، بل بمدى قدرة البلاد على التنبؤ بالمخاطر، والاستعداد لها، وتقليل آثارها وضمان استمرار الدولة والاقتصاد والمجتمع في العمل أثناء الأزمات.

من رد الفعل إلى الخطط الاستباقية

أولى المراجعات المطلوبة تتعلق بطريقة إدارة المخاطر نفسها، فالحكومة التي تنتظر انقطاع الكهرباء أو اشتعال الغابات أو وصول درجات الحرارة إلى مستويات خطيرة قبل التحرك، تظل أسيرة منطق رد الفعل، مهما كانت سرعة تدخلها بعد وقوع الأزمة.
ومن هنا تتأكد الحاجة الى التحول المطلوب هو نحو الحوكمة الاستباقية ، التي تجعل من التوقعات الجوية، وأنظمة الإنذار المبكر، ومؤشرات استهلاك الطاقة، وخرائط المخاطر، والمعطيات الميدانية، أدوات لاتخاذ القرار قبل وقوع الضرر.
ولا تبدو هنا المسألة هنا تقنية فحسب، فالإنذار المبكر لا تكون له قيمة إذا بقي مجرد معلومة لدى الخبراء، بل يجب أن يتحول إلى سلسلة قرارات وإجراءات واضحة.
وهذا يفرض أيضا إعادة النظر في مفهوم نجاح المرفق العمومي، فنجاح شبكة الكهرباء أو المياه لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرتها على العمل في الظروف العادية، وإنما بقدرتها على الصمود واستعادة الخدمة والاستمرار في توفير الحد الأدنى الضروري أثناء الأزمات.
هنا يبرز مفهوم استمرارية الأعمال والخدمات بما يقتضي وجود خطط احتياطية للمستشفيات، ومحطات ضخ المياه، وشبكات الاتصالات، والمؤسسات الغذائية والمخابز، وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن يؤدي توقفها لفترة قصيرة إلى آثار كبيرة.

تقليل الهشاشة بدل انتظار الانهيار

وتكشف أزمات الصيف أيضا أن جزءا من البنية التحتية الوطنية صُمم في ظل ظروف مناخية لم تعد مطابقة بالضرورة للواقع الحالي، فالشبكات الكهربائية والمائية والطرقات والمباني تواجه اليوم درجات حرارة وضغوطا متكررة ومتطرفة أكثر مما كانت عليه في السابق.
وهذا يستدعي الانتقال إلى مفهوم البنية التحتية القادرة على الصمود أي الاستثمار في شبكات وتجهيزات تأخذ في الاعتبار المخاطر المناخية الحالية والمستقبلية، وليس فقط المعايير التاريخية التي بُنيت عليها المنظومات القائمة.
لكن الصمود لا يتعلق بتقوية الشبكة المركزية فحسب، فالاعتماد الكامل على منظومة واحدة يمكن أن يحول عطب عنصر مركزي إلى أزمة واسعة، وهو ما يعرف في إدارة المخاطر بـنقطة الفشل الوحيدة،لذلك، لا يكمن الحل في إضعاف الدور الاجتماعي والسيادي للدولة أو في التخلي عن مسؤوليتها تجاه الكهرباء والماء والخدمات الأساسية، وإنما في تنويع مصادر الدعم والبدائل مع إبقاء الدولة في موقع التنظيم والرقابة والضمان.
ويمكن، على سبيل المثال، توسيع الإنتاج الذاتي للطاقة، ودعم الألواح الشمسية والبطاريات، وتطوير شبكات محلية صغيرة، وتوفير مصادر احتياطية للمؤسسات الحساسة. والغاية ليست استبدال الشبكة الوطنية، وإنما منع توقف النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية بالكامل عند تعرضها لخلل مؤقت أو واسع.
وينبغي أن يترافق ذلك مع إعادة تعريف كلفة الأعطال فانقطاع الكهرباء لا يمثل فقط عطبا تقنيا، بل يمكن أن يعني تلف معدات ومواد غذائية، وتوقف الإنتاج، وخسارة خدمات ومداخيل بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى.
لذلك تحتاج بلادنا إلى آلية منتظمة لرصد الخسائر الاقتصادية غير المباشرة بما يسمح بتحديد الكلفة الحقيقية للانقطاعات والأزمات، ودراسة آليات تأمين أو تعويض موجهة إلى الأنشطة الأكثر هشاشة.

إدارة الأزمة تبدأ أيضا بإدارة المعلومة

وفي الأزمات، تصبح المعلومة جزءا من البنية التحتية نفسها. فالمواطن والمؤسسة لا يحتاجان فقط إلى معرفة أن الخدمة ستعود، بل يحتاجان إلى معرفة ما الذي حدث، والمناطق المتضررة، والمدة المتوقعة للاضطراب، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها.
من هنا تبرز أهمية التواصل حول المخاطر باعتباره جزءا من إدارة الأزمة وليس نشاطا إعلاميا موازيا لها، والمعلومة المطلوبة أثناء الأزمة يجب أن تكون سريعة، موحدة، دقيقة وقابلة للتحيين. أما الصمت أو تضارب التصريحات أو غياب مصدر رسمي واضح، فإنه يخلق فراغا معلوماتيا سرعان ما تملؤه الإشاعات والتكهنات.
وفي المقابل، أظهرت الأزمات الحديثة قدرة المبادرات المدنية والتقنية على تقديم حلول عملية، مثل التطبيقات والمنصات التي تساعد المواطنين على معرفة مناطق الانقطاع أو تطورات الوضعؤ وهذه المبادرات يمكن أن تكون مفيدة، لكن وجودها يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول قدرة المؤسسات الرسمية والشركات المعنية على توفير المعلومة بشكل مباشر ومنظم وفي الوقت المناسب.
المسألة في النهاية ليست اختيارا بين الدولة والمبادرات المجتمعية، وإنما بناء منظومة معلوماتية متكاملة تكون فيها البيانات الرسمية متاحة وقابلة للاستخدام، ويمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات تطوير خدمات إضافية عليها.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال أيضا من الإدارة القطاعية للأزمات إلى الإدارة المتكاملة ومتعددة المخاطر، فالأزمة لا تتوقف عند حدود المؤسسة التي بدأت فيها، فانقطاع الكهرباء قد يتحول إلى مشكلة مياه، ومشكلة المياه قد تصبح مشكلة صحية، وموجة الحر قد ترفع مخاطر الحرائق، والحرائق قد تضرب النقل والاتصالات والنشاط الاقتصادي.
وفث المحصلة يكمن أكبر درس يمكن استخلاصه من صائفة 2026 في أن التغير المناخي لم يعد ملفا بيئيا منفصلا عن بقية السياسات العامة بل أصبح عاملا يؤثر مباشرة في الطاقة والمياه والصحة والبنية التحتية والاقتصاد والأمن، لذلك لا ينبغي أن ينحصر النقاش بعد كل أزمة في تحديد المسؤول عن العطب أو تفسير سبب الانقطاع، رغم أهمية المساءلة والمحاسبة.

Related posts

انخفاض في الحرارة و امطار

صابر الحرشاني

إعلام أمريكي يكشف عن تحضيرات ترامب لاستقبال بن سلمان

صابر الحرشاني

اكثر من أسبوعين على حرب إيران…هل كانت حسابات ترامب خاطئة؟

صابر الحرشاني

Leave a Comment