صابر الحرشاني
مع انطلاق سنة دراسية جديدة، يعود النقاش حول مستقبل التعليم العمومي في تونس، في وقت أصبح فيه التعليم الخاص حاضرا بقوة في خيارات العائلات. ولا يتعلق الأمر اليوم بمجرد مقارنة بين قطاعين، وإنما بسؤال أكبر يتعلق بمستقبل المدرسة العمومية ودورها في تحقيق تكافؤ الفرص وحماية حق كل طفل تونسي في تعليم جيد، بصرف النظر عن الوضعية الاجتماعية لعائلته.
وتكشف الأرقام الحديثة حجم المنظومة التعليمية التي تدخل سنة دراسية جديدة. فقد تجاوز عدد التلاميذ الذين استكملوا إجراءات الترسيم عن بعد للسنة الدراسية 2026-2027 مليوني تلميذ، ليبلغ 2 ملايين و97 ألفا و324 تلميذا وفق المعطيات المحينة إلى 11 سبتمبر. هذا الرقم وحده يكفي للتذكير بأن المدرسة ليست قطاعا عاديا يمكن التعامل معه بمنطق السوق، وإنما منظومة تمس أكثر من مليوني عائلة ومستقبل أجيال كاملة.
وفي المقابل، يواصل التعليم الخاص توسيع حضوره. وآخر المعطيات الوطنية المنشورة التي أمكن التثبت منها تعود إلى السنة الدراسية 2025-2026، عندما بلغ عدد المدارس الابتدائية الخاصة المرخص لها 811 مؤسسة، مقابل 774 في السنة السابقة، في حين ارتفع عدد المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية الخاصة إلى 601 مؤسسة مقابل 584 سنة 2024. وقد لا تكون هذه الأرقام هي الصورة النهائية لسنة 2026، لكنها تكشف اتجاها واضحا في نمو القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة.
المشكلة ليست في وجود التعليم الخاص، ولا في حق الأسرة في اختيار المدرسة التي تراها أفضل لأبنائها. الإشكال يبدأ عندما يصبح تراجع العمومي هو العامل الذي يدفع العائلات إلى البحث عن البديل، وعندما تتحول جودة التعليم واستمرارية الدروس وظروف الدراسة إلى امتياز يرتبط بقدرة الأسرة على تحمل الكلفة.
لقد تغيرت علاقة جزء من الأولياء بالمدرسة العمومية خلال السنوات الماضية. فالإضرابات وتعطل الدروس والخلافات المتكررة حول الامتحانات والأعداد والنتائج، إلى جانب مشاكل البنية الأساسية والاكتظاظ ونقص التجهيزات في عدد من المؤسسات، ساهمت في اهتزاز صورة المدرسة العمومية. وعندما يبحث الولي قبل كل شيء عن الاستقرار وانتظام الدروس، يصبح التعليم الخاص بالنسبة إليه خيارا مغريا مهما كانت كلفته.
وهنا بالذات ينبغي أن تتوقف الدولة عند أصل المشكلة. فالعائلة التي تدفع آلاف الدنانير سنويا لتعليم أبنائها لا تشتري بالضرورة تعليما أفضل، وإنما تشتري في كثير من الأحيان ما تعتبره ضمانا للاستقرار والانضباط وعدم تعطل المسار الدراسي. وفي المقابل، لا ينبغي أن تصبح المدرسة العمومية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من هذه الضمانات.
ولا يمكن أيضا وضع كل المؤسسات الخاصة في سلة واحدة. هناك مؤسسات تستثمر في التعليم وتحافظ على مستوى محترم من التأطير والانضباط، وهناك مؤسسات أخرى قد يغلب عليها المنطق التجاري. ولذلك فإن النقاش الجدي لا يجب أن يتحول إلى معركة بين العمومي والخاص، بل إلى بحث في أسباب تراجع الثقة في المدرسة العمومية وكيف يمكن استعادتها.
واللافت أن الدولة نفسها تتجه إلى رقمنة جزء متزايد من العلاقة بين المؤسسات والأولياء والتلاميذ. فقد دخلت منظومة الحياة المدرسية الجديدة حيز العمل، كما تم اعتماد اتفاقية موحدة للخدمات الرقمية المدرسية لفائدة المؤسسات التربوية الخاصة بداية من السنة الدراسية 2026-2027. وهذا التطور يمكن أن يكون فرصة لتعزيز المتابعة والشفافية والرقابة، سواء في التعليم العمومي أو الخاص.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لإصلاح المدرسة. فلا يمكن لمنصة رقمية أن تعوض قسما مكتظا، ولا أن تحل مشكلة مؤسسة تحتاج إلى الصيانة، ولا أن تعالج نقص التجهيزات أو صعوبات التأطير. الإصلاح الحقيقي يبدأ من المدرسة نفسها، من المدرس والتلميذ والقسم والكتاب والتجهيز والبنية الأساسية، ثم يمتد إلى البرامج وطرق التقييم والتوجيه.
والمدرسة العمومية تملك ما يكفي من الكفاءات لاستعادة مكانتها. فقد ساهمت على امتداد عقود في تكوين أجيال من التونسيين، وخرجت منها كفاءات تولت مواقع مختلفة في الدولة والمجتمع. لذلك فإن اختزال أزمة التعليم العمومي في أداء المدرسين أو تحميلهم وحدهم مسؤولية التراجع هو هروب من أصل المشكلة. المدرسة منظومة كاملة، وإذا اختل جزء منها انعكس ذلك على الجميع.
كما أن استمرار الفوارق بين الأسر في القدرة على تمويل تعليم أبنائها يهدد مبدأ تكافؤ الفرص. فكلما اتسعت الفجوة بين من يستطيع دفع كلفة التعليم الخاص ومن لا يستطيع، أصبح المسار الدراسي أكثر ارتباطا بالقدرة المالية للأسرة. وهنا يتحول التعليم تدريجيا من وسيلة للصعود الاجتماعي إلى عامل يمكن أن يعيد إنتاج الفوارق الاجتماعية نفسها.
لقد كانت المدرسة العمومية، منذ بناء الدولة الوطنية، إحدى أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية. الطفل القادم من عائلة محدودة الدخل كان يستطيع أن يجلس في القسم نفسه الذي يجلس فيه ابن الأسرة الميسورة، ويتعلم على يد المدرس نفسه، ويمر بالامتحانات نفسها، ويحلم بالمستقبل نفسه. وهذه الوظيفة الاجتماعية لا يمكن التفريط فيها مهما كانت صعوبة إصلاح المنظومة.
لذلك فإن المطلوب ليس محاصرة التعليم الخاص ولا إلغاء دوره، وإنما منع تحول نموه إلى نتيجة طبيعية لضعف المدرسة العمومية. فوجود قطاع خاص قوي لا يمثل مشكلة في حد ذاته، لكن المشكلة أن يصبح الطريق إلى تعليم جيد مرتبطا أساسا بقدرة الأسرة على الدفع.
وتونس لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الوعود حول الإصلاح بقدر حاجتها إلى إصلاح يرى أثره الولي داخل المدرسة. تحتاج إلى مؤسسات لائقة، وأقسام أقل اكتظاظا، وتجهيزات أفضل، ومدرس يحظى بظروف عمل مستقرة، وتلميذ يشعر بأن المدرسة التي يدخلها كل صباح قادرة على أن تمنحه تعليما يحفظ له حقه في المستقبل.
وفي سنة دراسية يدخلها أكثر من مليوني تلميذ، يصبح الدفاع عن المدرسة العمومية دفاعا عن مستقبل البلاد نفسها. فالمدرسة ليست بناية ولا مجرد جهاز إداري، وإنما المكان الذي تتشكل فيه شخصية المواطن وتتحدد فيه فرصه الأولى في الحياة. وإذا كانت العدالة الاجتماعية تبدأ من توفير فرص متساوية، فإن طريقها يمر حتما من المدرسة العمومية.
إنقاذ المدرسة العمومية لا يعني العودة إلى الماضي، وإنما بناء مدرسة جديدة قادرة على مواكبة تونس الجديدة. مدرسة تستعيد ثقة الأسرة، وتحافظ على مجانية التعليم، وتفتح الطريق أمام أبناء التونسيين جميعا، حتى لا يصبح المال هو العامل الذي يحدد نوعية التعليم الذي يحصل عليه الطفل. فالمجتمع الذي يفرط في مدرسته العمومية يدفع الثمن لاحقا في شكل فوارق أكبر، وفرص أقل، وتماسك اجتماعي أضعف.
