صابر الحرشاني
تفتح الإصلاحات الجارية على مستوى التوازنات المالية للبلاد الطريق أمام مرحلة أخرى من الإصلاح الاقتصادي، عنوانها تفكيك منظومة اقتصاد الريع التي راكمت، على امتداد عقود، امتيازات ومنافع خاصة على حساب المصلحة العامة، وأبقت جزءا من النشاط الاقتصادي مرتبطا بالتراخيص والاحتكار والنفوذ بدل المبادرة وخلق الثروة.
وقد لا يلمس المواطن بصورة مباشرة كل ما تحقق في هذا المسار، غير أن المؤشرات المتعلقة بالمالية العمومية والتوازنات الاقتصادية تعكس تقدما تدريجيا في معالجة عدد من الضغوط التي واجهتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وتكتسي هذه النتائج أهمية خاصة في ظل استمرار الصعوبات الهيكلية وتأثيرات الأزمات الدولية والجفاف.
الصمود المالي
وقد اتجهت السياسة المالية والاقتصادية خلال الفترة الماضية إلى التحكم في النفقات والحد من بعض الواردات، بما ساهم في تقليص جزء من الضغوط على التوازنات الخارجية. وترافقت هذه الخيارات مع سياسة نقدية هدفت إلى المحافظة على استقرار الدينار والحد من الضغوط التضخمية، في وقت شهدت فيه أغلب الاقتصادات العالمية موجات ارتفاع في الأسعار بفعل تداعيات الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.
وأتاحت هذه السياسة، رغم ما يمكن أن ينجر عنها من تباطؤ في النشاط الاقتصادي، لتونس الاستفادة من الموارد المتأتية من القطاع السياحي ومن تحويلات التونسيين بالخارج لتوفير جزء من حاجياتها من العملة الصعبة وسداد أقساط من الديون التي حل أجلها خلال الفترة الأخيرة.
كما اتجهت الدولة إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاقتراض الداخلي، إلى جانب التمويلات الخارجية، ومنها القروض الممنوحة من البنك الدولي للإنشاء والتعمير لتمويل برنامج التدخل العاجل للأمن الغذائي. وفي المقابل، ساهم التحكم في النفقات في توفير هامش من الاعتمادات لمجابهة عدد من الحاجيات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والطاقة.
ويرى عدد من خبراء الاقتصاد أن هذه السياسات، مهما كانت ضرورية لمعالجة الاختلالات المالية، لا تكفي بمفردها لتحقيق النمو وخلق الثروة. غير أن دورها في الحد من اتساع فجوة الأزمات وتخفيف الضغوط المالية يظل قائما، بما يمكن من تهيئة الأرضية أمام مرحلة لاحقة تقوم على تحفيز الاستثمار ودعم النشاط الاقتصادي وتوسيع قاعدة إنتاج الثروة وتوزيع منافعها بصورة أكثر عدلا.
تجحيم الريع
وهنا تبرز مسألة اقتصاد الريع باعتبارها أحد الملفات التي يفترض أن تتقدم إلى واجهة الإصلاح خلال المرحلة المقبلة. فالتعافي المالي والاقتصادي لا يكتمل بمجرد تحسين المؤشرات المالية، وإنما يحتاج أيضا إلى معالجة القواعد والآليات التي تسمح بالحصول على منافع اقتصادية دون مساهمة موازية في الإنتاج وخلق القيمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتجه الإصلاحات المقبلة إلى مراجعة التشريعات وتحيينها، والحد من التعقيدات الإدارية التي تعطل المبادرة، ومراجعة نظام التراخيص المسبقة في المجالات التي لم تعد تستوجبها، بما يفتح المجال أمام الاستثمار والمنافسة ويقلص فرص الاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالنفوذ أو القرب من الإدارة.
ويشمل ذلك أيضا تطوير الاستثمار العمومي والخاص، وتهيئة ظروف أفضل للمبادرة الاقتصادية، إلى جانب منح الشركات الأهلية دورا أكبر في تنشيط الاقتصاد المحلي، خاصة في القطاعات التي يمكن أن تساهم فيها في توفير جزء من حاجيات الجهات وخلق فرص اقتصادية جديدة.
وقد تحدث رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في مناسبات مختلفة، عن وجود ترابط بين مصالح اقتصادية وعائلات نافذة وبين واجهات إدارية، وما يمكن أن ينتج عن ذلك، وفق ما طرحه، من تعطيل للإجراءات وعرقلة للمبادرات واستعمال للنفوذ لتحقيق منافع خاصة. وتندرج هذه التصريحات ضمن الطرح الذي يقدمه رئيس الجمهورية بشأن ضرورة تفكيك منظومة اقتصاد الريع وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والنشاط الاقتصادي.
وتبقى مواجهة اقتصاد الريع من الملفات المعقدة، بالنظر إلى تشابك المصالح التي تكونت حوله على مدى سنوات طويلة. ولذلك فإن تغيير القواعد القانونية والإدارية وحده لا يكفي، ما لم يترافق مع تطبيق فعلي للقانون وتعزيز المنافسة ومنع الاحتكار وضمان تكافؤ الفرص أمام المبادرة الاقتصادية.
وقد تكرر في الخطاب السياسي الحديث عن تفكيك اقتصاد الريع باعتباره جزءا من مشروع أوسع للإصلاح والتحرير الاقتصادي. ويطرح هذا التوجه أمام الدولة مهمة الانتقال من معالجة الاختلالات المالية الآنية إلى معالجة أسبابها العميقة، بما يضمن أن تكون القواعد الاقتصادية أكثر انفتاحا على المبادرة وأقل قابلية للاستغلال من قبل مجموعات تتمتع بامتيازات خاصة.
وتحتاج هذه المرحلة كذلك إلى إعادة النظر في عدد من التشريعات والإجراءات بما يجعلها أكثر ملاءمة لحاجيات الاقتصاد والمجتمع، مع تعزيز دور الدولة في حماية المنافسة والتصدي للاحتكار ومنع تحول بعض التراخيص أو الإجراءات الإدارية إلى أدوات للنفوذ الاقتصادي.
وتبدو بلادنا، في هذا السياق، أمام مسار إصلاحي يتجاوز مجرد معالجة العجز أو توفير السيولة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المالية العمومية والنمو والاستثمار وخلق الثروة. فاستعادة التوازنات المالية تمثل مرحلة ضرورية، لكنها تكتسب معناها الاقتصادي الكامل عندما تترافق مع إصلاحات توسع مجال المبادرة وتقلص الامتيازات غير المرتبطة بالإنتاج.
والمرحلة المقبلة تظل مرتبطة بقدرة الإصلاحات على الانتقال من ضبط الاختلالات إلى معالجة أسبابها، ومن إدارة الأزمات إلى بناء شروط نمو أكثر استدامة. وفي قلب هذا المسار يبرز ملف اقتصاد الريع، بما يتطلبه من مراجعة للتشريعات، وتبسيط للإجراءات، وتشجيع للمنافسة والاستثمار، وضمان لتكافؤ الفرص، بما يتيح توجيه النشاط الاقتصادي نحو خلق الثروة وتوسيع دائرة المستفيدين منها.
previous post
