22.5 C
تونس
6 أكتوبر، 2026
الصفحة الأولى دولي

تواجه خريفا ساخنا…أزمة 68 جديدة في فرنسا؟

صابر الحرشاني

تتجه فرنسا إلى خريف سياسي واجتماعي ساخن، وسط اتساع الاحتجاجات وتزايد التحركات في الشارع وتصاعد التوتر بين الحكومة والنقابات والشباب.

و بدأ المشهد يطرح سؤالا لم يعد من السهل تجاهله: حول مدى تشكل في ملامح أزمة شبيهة بتلك التي هزت البلاد في ماي 1968.

ولا تزال المقارنة مبكرة، لكن بعض عناصرها موجودة،احتجاجات شبابية، تحركات نقابية، توتر اجتماعي، صعوبات اقتصادية وأزمة سياسية تجعل قدرة الحكومة على تمرير خياراتها موضع اختبار مستمر.

وفي ماي 1968، بدأت القصة من الجامعات، تحركات الطلاب ضد أوضاع التعليم والسلطة الجامعية تحولت خلال أسابيع قليلة إلى أزمة وطنية بعدما انضمت إليها الحركة العمالية. ومع اتساع الإضرابات والاعتصامات، دخلت فرنسا في واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية والسياسية في تاريخها الحديث.

و اليوم لا تنطلق الاحتجاجات من النقطة نفسها، ولا تحمل المطالب ذاتها، كما أن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي تغيرت كثيرا، لكن القاسم المشترك يكمن في انتقال الغضب من ملفات محددة إلى شعور أوسع بالاحتقان تجاه خيارات السلطة والأوضاع الاجتماعية.

الشباب في الواجهة

واعادت التحركات الأخيرة الشباب إلى قلب المشهد. احتجاجات في عدد من الثانويات، مواجهات مع قوات الأمن وارتفاع عدد المؤسسات التي شهدت اضطرابات، كلها مؤشرات على أن التوتر لم يعد محصورا في الأوساط السياسية والنقابية التقليدية.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التشابه مع 1968. فالأزمة القديمة لم تصبح تاريخية بسبب احتجاجات الطلاب وحدها، وإنما بسبب قدرتها على تجاوز أسوار الجامعات والوصول إلى قطاعات واسعة من المجتمع.

غير أن هذا الانتقال لم يتحقق بعد في فرنسا الحالية بالشكل الذي عرفته البلاد سنة 1968.

فالاحتجاجات الاجتماعية والنقابية موجودة، والتحركات في القطاع العام اتسعت، لكن البلاد لم تصل إلى مرحلة الإضراب العام الشامل الذي شل الاقتصاد الفرنسي في ماي 1968.

أزمة تتجاوز الشارع

المشكلة التي تواجه الحكومة الفرنسية لا تتعلق بالاحتجاجات وحدها. فالمشهد السياسي نفسه يعيش حالة من التشتت، فيما أصبحت الميزانية والسياسة الاقتصادية من أبرز نقاط الصدام بين الحكومة والقوى السياسية والنقابية.

ارتفاع تكاليف المعيشة، وأسعار الطاقة، والضغط على القدرة الشرائية، إلى جانب الإجراءات المالية التي تسعى الحكومة إلى تمريرها، توفر أرضية اجتماعية يمكن أن تدفع الاحتجاجات إلى التوسع.

وفي 1968، التقت المطالب الطلابية مع المطالب العمالية، ثم تحولت الأزمة الاجتماعية إلى أزمة سياسية وضعت سلطة شارل ديغول أمام اختبار غير مسبوق. أما اليوم، فإن السؤال يتمثل في قدرة الحكومة على منع تعدد الاحتجاجات من التحول إلى حركة اجتماعية واحدة تجمع الشباب والعمال والموظفين والنقابات.

هل يتكرر سيناريو 1968؟

التاريخ لا يتكرر بالضرورة بالطريقة نفسها، وفرنسا 2026 ليست فرنسا 1968 لكن الأزمات الكبرى تبدأ أحيانا من ملفات تبدو محدودة قبل أن تتسع بفعل تراكم الغضب الاجتماعي والسياسي.

وسيكون المؤشر الأهم خلال الفترة المقبلة الشارع العمالي، فإذا بقيت التحركات الشبابية منفصلة عن الإضرابات النقابية، فستظل المقارنة مع ماي 1968 محدودة. أما إذا التقت الاحتجاجات في الجامعات والثانويات مع إضرابات واسعة في النقل والطاقة والخدمات والمصانع، فإن طبيعة المشهد ستتغير جذريا.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ظل الانقسام السياسي وصعوبة بناء توافقات حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

في ماي 1968، لم يسقط ديغول أمام الشارع، وبعد أسابيع من الإضرابات، حل البرلمان ودعا إلى انتخابات جديدة، فحقق معسكره أغلبية كبيرة. لكن الأزمة تركت آثارا عميقة على المجتمع الفرنسي، ولم تنته آثارها السياسية والثقافية بمجرد عودة الحياة إلى طبيعتها.

اليوم أيضا لا تبدو المسألة مجرد مواجهة بين متظاهرين وحكومة، إنها اختبار لعلاقة الفرنسيين بالمؤسسات، ولقدرة السلطة على إدارة مرحلة اقتصادية واجتماعية شديدة الحساسية.

و لذلك، فإن الحديث عن “ماي 68 جديد” لا يعني أن فرنسا دخلت فعلا نسخة ثانية من تلك الأزمة. لكنه يعكس سؤالا سيزداد حضورا كلما اتسعت الاحتجاجات: هل تستطيع السلطة احتواء الغضب قبل أن تتلاقى مكوناته المختلفة في الشارع؟

حتى الآن، الإجابة لم تحسم. لكن المؤشرات الموجودة تجعل الخريف الفرنسي مفتوحا على تطورات قد تحدد شكل المشهد السياسي والاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.

Related posts

في لقاء رئيس الجمهورية و رئيس هيئة الانتخابات: تأكيد للاستعداد للانتخابات البلدية

صابر الحرشاني

اطلاق مشروع “شباب القصرين”: صوت الاصالة و بناء المستقبل لدعم المبادرات الشبابية و الاقتصاد الاخضر

صابر الحرشاني

امريكا : سقوط طائرة ومقتل جميع من كانوا على متنها

yosra Hattab

Leave a Comment