30.4 C
تونس
7 أكتوبر، 2026
الصفحة الأولى تكنولوجيا

هل بات الذكاء الاصطناعي سباق بلا فرامل؟

صابر الحرشاني

لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا يخص شركات التكنولوجيا والباحثين وحدهم فقد دخل بقوة في الاقتصاد والصحة والتعليم والأمن، وأصبح حاضرا في قرارات الحكومات والمؤسسات. ومع اتساع استخدامه، يتصاعد سؤال أساسي حول مواصلة تطوير هذه التكنولوجيا بأقصى سرعة، أم أن الوقت حان لإبطاء بعض مساراتها حتى تتمكن القوانين وقواعد السلامة من مواكبتها.

وتكشف أرقام حديثة حجم التحول الحلصل فوفق تقرير

ل”ستانفورد اي ٱي اندكس” تستعمل 88 بالمائة من المؤسسات التي شملها الاستطلاع الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، وهي سرعة انتشار تفوق ما سجله الحاسوب الشخصي والإنترنت في مراحل مماثلة.

وفي الولايات المتحدة، قدرت القيمة السنوية التي يحصل عليها المستهلكون من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بنحو 172 مليار دولار في بداية 2026.

مخاطر بدأت تظهر

ولم تعد التحذيرات من الذكاء الاصطناعي مرتبطة فقط بسيناريوهات مستقبلية بعيدة، فقد تحدث بيل غيتس في تصريحات نقلها الإعلام الأمريكي عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن وصول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مجرمين، خصوصا في مجالات الهجمات الإلكترونية والاحتيال.

لكن موقف غيتس لا يقوم على رفض التكنولوجيا، فهو يرى في المقابل فرصا كبيرة لاستخدامها في خفض كلفة الرعاية الصحية ومعالجة مشكلات اقتصادية واجتماعية، ولذلك يركز على ضرورة وضع ضوابط تواكب سرعة تطور هذه الأدوات.

وتظهر المفارقة هنا بوضوح حيث ان بعض أكثر الأصوات تحذيرا من مخاطر الذكاء الاصطناعي هي في الوقت نفسه من أكثر المؤمنين بقدرته على تغيير الاقتصاد والخدمات والبحث العلمي.

ويعزز هذا التوجه تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي لعام 2026، الذي شارك في إعداده أكثر من 100 خبير وحظي بدعم أكثر من 30 دولة ومنظمة دولية.

ويشير التقرير إلى أن عددا من المخاطر أصبح واقعا، من بينها الاحتيال والتضليل، وأخطاء الأنظمة وسلوكياتها غير المتوقعة، فضلا عن تأثيرها في سوق العمل والأمن السيبراني وبيئة المعلومات.

وفي المقابل، يميز التقرير بين المخاطر التي أصبحت موثقة بالفعل وتلك التي لا تزال احتمالات مستقبلية لم تحسم درجة وقوعها.

وهذا التفريق مهم، لأن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يجمع أحيانا بين مشكلات مختلفة تماما ففقدان بعض الوظائف، مثلا، ليس هو نفسه احتمال فقدان السيطرة على أنظمة فائقة القدرة. ولكل واحدة من هذه القضايا مستوى مختلف من الأدلة والاحتمالات والتداعيات.

الاقتصاد يدفع إلى الأمام

و يصعب الحديث عن إيقاف تطور الذكاء الاصطناعي في وقت أصبح فيه جزءا من دورة الاستثمار والإنتاج والخدمات. فقد بدأت الشركات والحكومات في تخصيص موارد متزايدة لتطوير هذه التكنولوجيا ودمجها في النشاط الاقتصادي.

ووفق صندوق النقد الدولي، ساهمت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بنحو 0.5 بالمائة من نمو الناتج المحلي الأمريكي خلال 2025.

كما يمكن أن يتجاوز الاستثمار الخاص المرتبط بالذكاء الاصطناعي عالميا تريليوني دولار خلال 2026، وفق تقديرات أوردها الصندوق.

ويرى صندوق النقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم الإنتاجية والنمو، لكنه يحذر في الوقت نفسه من انعكاساته على سوق العمل وتوزيع المكاسب الاقتصادية، خاصة مع تفاوت قدرة الدول والشركات على تبني التكنولوجيا الجديدة.

و تبدو ليست في اختيار التطور أو التراجع، وإنما في قدرة المؤسسات على مواكبة التطور، فكلما ازدادت قدرات الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى قوانين واضحة واختبارات فعالة وآليات رقابة قادرة على التعامل مع المخاطر الفعلية.

قواعد تواكب التكنولوجيا

و لا تتعلق المسألة بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بالإطار الذي يحيط بها. فقد حملت تقنيات عديدة عند ظهورها مخاطر حقيقية، من الكهرباء والطيران إلى الإنترنت والطب الحديث. ومع مرور الوقت، نشأت قواعد للسلامة ومعايير مهنية وتشريعات تحدد المسؤوليات وتضبط الاستخدام.

ويواجه الذكاء الاصطناعي التحدي نفسه، وإن كان أكثر تعقيدا بسبب سرعة تطوره واتساع مجالات استخدامه. ولذلك تبدو الحاجة واضحة إلى قواعد تركز خصوصا على الأنظمة ذات المخاطر المرتفعة، وتفرض اختبارات للسلامة وتحمي البيانات والخصوصية وتحدد المسؤولية عند وقوع الأخطاء.

وفي الوقت نفسه، يفترض أن تترك هذه القواعد مجالا للبحث العلمي والاستخدامات المفيدة. فالرقابة التي تمنع الضرر لا تعني بالضرورة تعطيل الابتكار.

ويبدو ان المعضلة الحقيقية ليست بين ذكاء اصطناعي يعمل وذكاء اصطناعي متوقف، وإنما بين تطور يجري من دون ضوابط وتطور ترافقه مؤسسات قادرة على فهم مخاطره والتعامل معها.د، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح مجالات واسعة أمام الطب والتعليم والعلوم والصناعة، لكنه قادر أيضا على توسيع نطاق الاحتيال والتضليل والجرائم الإلكترونية. وبين هذين الوجهين ستحدد طريقة الاستخدام والرقابة جزءا كبيرا من نتائجه.

وفي المحصلة لن تكون التكنولوجيا وحدها صاحبة القرار في رسم المستقبل. فالإنسان هو الذي يحدد أين يستخدمها، ومن يستفيد منها، وما هي الحدود التي يجب ألا تتجاوزها. والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان يمكن إيقاف الذكاء الاصطناعي، وإنما ما إذا كانت المؤسسات قادرة على مواكبة سرعته ووضع القواعد التي تجعل فوائده أكبر من مخاطره.

Related posts

روسيا:خطة إسرائيل لاحتلال كامل غزة خطوة في الاتجاه الخاطئ

صابر الحرشاني

الخميس مفتتح شهر رمضان

صابر الحرشاني

قلق في الليكود:”حرب بلا حسم” قد تسقط نتنياهو

صابر الحرشاني

Leave a Comment