27.3 C
تونس
11 أكتوبر، 2026
اقتصاد

مخاوف من أن يواجه الزيتون مصير التين الشوكي مع الحشرة القرمزية

صابر الحرشاني

أثار تزايد الإصابات بمرض سلّ الزيتون في عدد من الحقول بمعتمدية ملولش من ولاية المهدية مخاوف الفلاحين من اتساع رقعة الإصابة، في ظل ما يلاحظونه من انتفاخات وعقد خشبية على أغصان الأشجار وفروعها.

وأعادت هذه المؤشرات إلى الأذهان تجربة التين الشوكي مع الحشرة القرمزية، وما خلفته من خسائر ومخاوف بشأن مستقبل أحد اهم المحاصيل.

وبين هواجس الفلاحين ومخاطر انتشار المرض، يبرز سؤال جوهري هل يواجه الزيتون خطر أزمة صحية مماثلة لما عرفه التين الشوكي، أم أن الأمر يتعلق بمرض معروف يمكن الحد من أضراره عبر التدخل المبكر واعتماد الممارسات الزراعية السليمة.

في هذا السياق، يؤكد المختصون في علم أمراض النباتات أن سلّ الزيتون ليس مرضا جديدا في تونس، وأن تسجيل إصابات متزايدة في منطقة معينة لا يعني بالضرورة ظهور جرثومة جديدة أو سلالة أشد خطورة، مشددين على أن التعامل مع الوضع يستوجب تشخيصا علميا دقيقا وفهما للعوامل التي تساعد على انتشار المرض، إلى جانب اعتماد برنامج متكامل ومتواصل للوقاية والمكافحة.

مرض قديم

ويعد سلّ الزيتون، المعروف علميا باسم Olive knot disease، مرض بكتيري تسببه أساسًا بكتيريا Pseudomonas savastanoi pv. savastanoi، وهي قادرة على إصابة الأنسجة النباتية والتسبب في ظهور عقد وانتفاخات خشبية على الأغصان والفروع، وقد تمتد إلى أجزاء أخرى من الشجرة في حالات الإصابة الشديدة.

وتدخل البكتيريا إلى الأنسجة غالبا عبر الجروح التي تحدثها العوامل المناخية أو العمليات الزراعية، ثم تتسبب في اضطراب نمو الأنسجة وتكوّن العقد التي قد تتحول إلى مصادر للعدوى. ولا يعني ظهور هذه العقد أن الشجرة محكوم عليها بالموت، غير أن الإصابات الشديدة والمتكررة يمكن أن تؤدي إلى ضعف نمو الأغصان وجفاف أجزاء منها وتراجع الحيوية والإنتاج.

ويؤكد المختصون ايضا أن المرض معروف منذ زمن طويل في البلدان المنتجة للزيتون بحوض البحر الأبيض المتوسط، كما سبق أن خضع للدراسة في تونس ضمن بحث علمي منشور سنة 2009، تناول 58 عزلة تونسية من البكتيريا المسببة له.

ولا تقتصر الإصابات على ملولش، إذ يُعرف المرض في عدد من المناطق التونسية، من بينها سبيبة وتالة وسبيطلة بالقصرين، وجلمة وسبالة أولاد عسكر بسيدي بوزيد، والوسلاتية والعلا بالقيروان، والبقالطة بالمنستير، أما تفسير تزايد الإصابات في بعض حقول ملولش، فلا يمكن اختزاله في عامل واحد. فتساقط البَرَد قد يحدث جروحا متعددة في الأغصان والأنسجة الغضة، بما يهيئ منافذ لدخول البكتيريا. كما يمكن للرطوبة والأمطار والضباب الصباحي أن تساعد، بحسب الظروف المحلية، على استمرار ابتلال الأجزاء النباتية وتوفير ظروف ملائمة لحدوث العدوى.

وتضاف إلى ذلك الجروح الناتجة عن التقليم والجني، فضلا عن احتمال انتقال البكتيريا بواسطة الأدوات الزراعية الملوثة أو الأشتال والأغصان المصابة. وتشدد الدراسات على أن وجود البكتيريا في الحقل يظل شرطا أساسيا لحدوث المرض، في حين تساهم الجروح والظروف المناخية والممارسات الزراعية في تيسير العدوى وتوسيع نطاقها.

ومن هذا المنطلق، فإن تحديد أسباب الوضع في ملولش يقتضي معاينة الحقول ودراسة الظروف المحلية، بدل الجزم بأن الرطوبة أو القرب من البحر أو أي عامل منفرد هو المسؤول عن ارتفاع الإصابات.

 الوقاية المستمرة

و في مواجهة سلّ الزيتون، لا يتوفر علاج يضمن القضاء على البكتيريا داخل الأنسجة المصابة وإزالة العقد نهائيا. لذلك تقوم المكافحة أساسا على تقليص مصادر العدوى، والحد من انتقال البكتيريا، وحماية الجروح والأنسجة الجديدة، ضمن برنامج يتواصل على امتداد المواسم.

ويعد التقليم الصحي في مقدمة الإجراءات الضرورية، من خلال إزالة الأغصان والفروع التي تحمل عقدا واضحة، مع تجنب التقليم الجائر الذي قد يضعف الشجرة ويخل بتوازنها. ويُستحسن تنفيذ هذه العملية في طقس جاف، مع تنظيف أدوات التقليم وتطهيرها بصفة مناسبة، خاصة عند الانتقال من الأشجار المصابة إلى السليمة.

كما ينبغي جمع مخلفات التقليم المصابة والتخلص منها بطريقة آمنة وفق التوصيات الفنية والضوابط المحلية، بدل تركها مبعثرة في الحقل أو استعمالها في إنتاج أشتال الزيتون.

ويؤكد الباحثون أن إزالة العقد وحدها لا تضمن القضاء على جميع البكتيريا، ما يجعل المراقبة اللاحقة ضرورية لتقييم تطور الإصابة.

وتشكل حماية الجروح عنصرا آخر في استراتيجية المكافحة، إذ يُنصح بتجنب العمليات الزراعية غير الضرورية في الظروف الرطبة، والحد من إحداث الجروح أثناء التقليم والجني، مع عدم استعمال الأدوات القادمة من حقول مصابة قبل تنظيفها وتطهيرها بالطريقة الملائمة.

أما مركبات النحاس، فتُعد من وسائل الوقاية التي يمكن إدراجها ضمن برنامج متكامل، إذ تساعد على الحد من البكتيريا الموجودة على الأسطح النباتية وحماية الأنسجة المعرضة للعدوى، لكنها لا تقضي على البكتيريا الموجودة داخل العقد والأنسجة المصابة.

كما تبرز أهمية تكييف المعاملات الوقائية مع مراحل نمو الشجرة والظروف المناخية، خاصة بعد تساقط البَرَد أو عمليات التقليم والجني، وكذلك خلال الفترات التي ترتفع فيها مخاطر الإصابة. غير أن اختيار المنتج وتركيزه وتوقيت استعماله يجب أن يستند إلى ملصق مستحضر مصادق عليه في تونس والتوصيات الفنية المختصة، لأن الجرعات غير المناسبة قد تضر بالأشجار، كما أن فعالية المعاملة تختلف باختلاف شدة الإصابة والظروف المحيطة.

ولا تقتصر الوقاية على الحقول التي ظهرت فيها العقد، بل تشمل أيضا الأشجار السليمة المجاورة، من خلال مراقبتها بانتظام، وتجنب إدخال أشتال أو أغصان مجهولة الحالة الصحية، وتطهير الأدوات، والتدخل المبكر عند الاشتباه في الإصابة وطلب التشخيص الفني لتأكيدها.

هل يتكرر سيناريو التين الشوكي؟ 

و تستحضر مخاوف الفلاحين من سلّ الزيتون تجربة الحشرة القرمزية التي ألحقت أضرارا واسعة بالتين الشوكي في تونس، غير أن المقارنة بين الحالتين لا تكفي وحدها للحكم على حجم الخطر الذي يهدد قطاع الزيتون. فلكل آفة أو مرض خصائصه البيولوجية وطرق انتشاره وتداعياته، كما تتوقف النتائج على سرعة التشخيص وفعالية التدخل ومدى التزام المنتجين بإجراءات الوقاية.

وفي حالة سلّ الزيتون، فإن ارتفاع الإصابات في بعض الحقول يستوجب التحرك واليقظة، لكنه لا يبرر اعتبار المرض مستجدا أو الجزم بأن الأشجار المصابة ستفقد قدرتها على الإنتاج. فالشجرة التي تظهر عليها العقد قد تواصل نموها وإنتاجها، بحسب شدة الإصابة وحالتها الصحية ومدى التحكم في مصادر العدوى.

ويؤكد المختصون أن تحسين الحالة الصحية للحقول المصابة يظل ممكنا عبر خفض عدد العقد ومصادر البكتيريا، ومنع انتقال العدوى إلى الأشجار السليمة، وحماية الجروح، ومتابعة الحقول موسمًا بعد موسم. وقد تسهم الإدارة المتكاملة، بما فيها التقليم الصحي والمعاملات الوقائية المناسبة، في تقليص الأضرار، وإن كانت لا تضمن استئصال البكتيريا نهائيًا في جميع الحالات.

وفي المقابل، فإن نجاح المكافحة لا يتوقف على مجهود الفلاح الفردي وحده، بل يتطلب أيضا تشخيصا فنيا موثوقا، وإرشادا فلاحيا مستمرا، ومتابعة ميدانية للمناطق التي تسجل ارتفاعا في الإصابات، بما يساعد على تحديد الأولويات وتوجيه التدخلات وفق المعطيات الفعلية.

Related posts

البنك المركزي يبقي على نسبة الفائدة الرئيسية عند 7 بالمائة

Rahma Khmissi

2024: إطلاق أكاديمية الحوكمة العقاريّة في شمال إفريقيا

Ichrak Ben Hamouda

اليوم: إنطلاق أشغال منتدى تونس للاستثمار

Na Da

Leave a Comment