27.3 C
تونس
11 أكتوبر، 2026
دولي عالمية

صفقة الديزل بين ترمب وبوتين: حسابات الطاقة تتغلب على منطق العقوبات

صابر الحرشاني

بين البحث عن مخرج من أزمة أسعار الوقود ومحاولة الحفاظ على الضغط الاقتصادي على موسكو، تكشف صفقة الديزل الروسي عن تعقيدات العلاقة بين أمن الطاقة والحرب في أوكرانيا، وعن حدود قدرة القرارات السياسية على تغيير معادلات السوق.

وقد حمل الإعلان عن اتفاق لتوريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية في طياته أبعادا اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حجم الشحنات المعلنة، فالاتفاق الذي كشف عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عقب مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، يضع واشنطن أمام معادلة صعبة حول كيفية احتواء ارتفاع تكاليف الطاقة من دون تقويض سياسة العقوبات التي استخدمتها أداةً للضغط على موسكو منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

و وفقا لما أعلنه ترمب في 9 أكتوبر الجاري ستورد روسيا أكثر من 300 ألف طن من الديزل بصورة فورية، تليها 500 ألف طن خلال نوفمبر المقبل، ثم مليون طن إضافي، مع كميات أخرى قد تصل إلى 3 ملايين طن خلال فترة قصيرة، وفقا لظروف المصافي الروسية،وبذلك يبلغ مجموع الكميات التي أشار إليها الرئيس الأمريكي نحو 4.8 ملايين طن، إذا تحققت جميع المراحل المعلنة.

وقد رافق الإعلان إصدار وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصا مؤقتا يسمح باستيراد الديزل الروسي ضمن نطاق زمني وشروط محددة، لكن من الضروري التمييز بين الترخيص القانوني الذي يتيح إجراء معاملات معينة وبين تنفيذ جميع الشحنات المعلنة؛ إذ لا يكفي الإعلان السياسي وحده لإثبات أن الكميات دخلت السوق بالفعل.

وتشير تغطية تقارير إلى أن أثر الإمدادات الإضافية في أسعار الوقود قد يكون محدودا، فيما ربطت تحليلات اخرى ارتفاع أسعار الديزل بالاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية. وهكذا، فإن الصفقة تفتح بابا جديدا لتدفق الإمدادات، لكنها لا تقدم، في حد ذاتها، ضمانة بإنهاء أزمة الأسعار.

ضغوط أزمة الطاقة 

و يأتي الاتفاق في سياق ارتفاع حاد في أسعار الديزل داخل الولايات المتحدة، وهو وقود أساسي لقطاعات النقل البري والفلاحة والشحن والتدفئة، ولا تتوقف انعكاسات ارتفاع سعره عند محطات الوقود، بل تمتد إلى تكاليف نقل السلع وتشغيل المعدات الفلاحية وتوزيع المنتجات، بما يرفع الضغوط التضخمية على الشركات والأسر.

وقد أوردت تقارير أن متوسط سعر الديزل الأمريكي بلغ نحو 6.28 دولارات للغالون في 9 أكتوبر الجاري، في ظل اضطرابات حادة في الإمدادات العالمية. كما أشارت الوكالة إلى أن الأسعار المرتفعة تمثل عبئا سياسيا على الإدارة الأمريكية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 3 نوفمبر 2026، نظرا إلى تأثير تكاليف الوقود على الفلاحين وسائقي الشاحنات والمناطق الريفية.

و من هذه الزاوية، يمكن فهم قرار ترمب باعتباره محاولة لتوسيع الخيارات المتاحة أمام السوق الأمريكية، والاستفادة من أي إمدادات إضافية قادرة على تخفيف الضغط على أسعار المشتقات النفطية غير أن هذا التفسير الاقتصادي لا يلغي البعد السياسي الداخلي؛ فنجاح الإدارة في معالجة تكاليف المعيشة أصبح جزءا من اختبارها أمام الناخبين.

ومع ذلك، فإن خفض الأسعار لا يتحقق بمجرد الإعلان عن شحنات جديدة، فالأسواق تتأثر بتكاليف النقل والتأمين والتكرير، وبالطلب العالمي، وبمدى توفر الوقود في المناطق الأكثر تضررا من نقص الإمدادات، ولذلك قد يكون تأثير الشحنات الروسية متفاوتا بين سوق وأخرى، حتى إذا نُفذت الكميات المعلنة بالكامل.

ماذا عن خفض الأسعار؟

و تبدو الكميات المعلنة كبيرة عند النظر إليها منفردة، لكن تقييم أثرها يقتضي وضعها في سياق حجم السوق.د، فالولايات المتحدة ليست مستوردا عاجزا عن توفير الديزل محليا بل تمتلك قطاعا واسعا للتكرير، كما تصدر كميات كبيرة من المشتقات النفطية. والمشكلة الراهنة تتصل أيضا باضطراب سوق المنتجات المكررة عالميا وباختلال التوازن بين العرض والطلب.

وقد نقلت وكالات عن خبراء في قطاع الطاقة تقديرات تفيد بأن زيادة الإمدادات الروسية لن تحدث، على الأرجح، تحولا كبيرا ومستداما في الأسعار الأمريكية أو العالمية. كما أوردت رويترز أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية لمعالجة ارتفاع الأسعار لم تحقق حتى الآن أثراً كافياً لإزالة الضغوط عن السوق.

ويعني ذلك أن الصفقة قد تؤدي إلى تخفيف مؤقت لبعض الاختناقات، لكنها لا تعالج بالضرورة أسباب الأزمة. فإذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية التي تعطل تدفقات الطاقة، أو بقيت طاقات التكرير والإمدادات المتاحة تحت الضغط، فإن تأثير الشحنات الإضافية قد يتلاشى سريعا.

كذلك، فإن دخول الديزل الروسي إلى السوق الأمريكية لا يعني بالضرورة إضافة الكمية نفسها إلى المعروض العالمي الصافي؛ فقد تحل الإمدادات الجديدة محل شحنات كان المشترون سيحصلون عليها من مصادر أخرى. وفي هذه الحالة، قد يكون الأثر الأساسي إعادة توزيع التدفقات التجارية بدلاً من توسيع المعروض العالمي بالقدر الذي يتصوره المتابعون.

وعليه، فإن الحكم على الجدوى الاقتصادية للاتفاق ينبغي أن يستند إلى ثلاثة مؤشرات: الكميات التي تم شحنها فعلياً، والتغير في أسعار الديزل بعد وصولها، ومدى استمرار هذا الأثر خلال الأسابيع التالية.

موسكو تستفيد

و إذا كانت واشنطن تسعى إلى تخفيف الضغوط على سوق الوقود، فإن الاتفاق يتيح لموسكو فرصة للاستفادة من طلب أمريكي على أحد منتجاتها النفطية في وقت لا تزال فيه العقوبات الغربية تستهدف تقليص الإيرادات الروسية المرتبطة بالحرب.

وتتمثل المفارقة الأساسية في أن الولايات المتحدة تعود، عبر ترخيص مؤقت، إلى السماح بتدفق منتج روسي كانت القيود المفروضة على الطاقة الروسية تهدف إلى الحد من عائداته. ولا يعني ذلك بالضرورة انهيار نظام العقوبات أو إلغاءه، لكنه يكشف أن تطبيق القيود الاقتصادية قد يتغير عندما تتعارض أهداف السياسة الخارجية مع اعتبارات أمن الطاقة وتكاليف المعيشة.

وفي تقريرها عن الصفقة، أشارت وكالات إلى أن مبيعات الديزل قد تتيح لموسكو تحقيق إيرادات إضافية. ومن ثم، فإن التقييم لا ينبغي أن يقتصر على ما إذا كان المستهلك الأمريكي سيستفيد من تراجع الأسعار، بل يجب أن يشمل أيضاً هوية المستفيدين التجاريين، وهوامش الأرباح، والجهات التي ستتلقى عائدات الصادرات.

لكن حجم المكاسب الروسية الفعلية يظل مرتبطاً بظروف التنفيذ، فمن يملك الوقود الذي سيُصدّر؟ وما الشركات المؤهلة لإجراء المعاملات؟ وما الأسعار وشروط الدفع؟ وهل تقتصر الاستفادة على مخزونات جاهزة للتصدير، أم تتطلب زيادة الإنتاج والتكرير؟

و هذه التفاصيل ليست ثانوية؛ لأنها تحدد ما إذا كانت الصفقة تمثل فرصة محدودة لتصريف كميات متاحة، أم مساراً تجارياً أوسع يمكن أن ينعكس على إيرادات قطاع الطاقة الروسي.

أوكرانيا أمام معادلة أكثر تعقيدا

و لا يمكن فصل الاتفاق عن الحرب الروسية الأوكرانية، لأن العقوبات على الطاقة الروسية كانت جزءا من استراتيجية أوسع لتقليص الموارد المتاحة لموسكو. ومن هذا المنطلق، فإن أي استثناء يسمح بتوسيع صادرات أحد المنتجات النفطية الروسية يثير سؤالا حول مدى اتساق السياسة الأمريكية الاقتصادية مع أهدافها المعلنة تجاه الحرب.

وقد انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي القرار، واعتبره دليلا على ضعف موقف الشركاء الغربيين، كما نقلت التغطية الدولية انتقادات من مسؤولين ومشرعين أمريكيين رأوا أن تخفيف القيود على الديزل الروسي قد يتيح موارد إضافية للحكومة الروسية في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية.

أما مجلة «ذا أتلانتيك»، فقد قدمت قراءة نقدية للاتفاق، معتبرة أنه قد يخدم المصالح الروسية أكثر مما يقدم فائدة ملموسة للمستهلك الأمريكي.د، وتذهب هذه القراءة إلى أن تخفيف القيود الاقتصادية لا يمكن فصله عن ميزان الضغط السياسي الذي تستخدمه واشنطن في تعاملها مع موسكو وكييف.

غير أن هذه الحجة، على أهميتها، تحتاج إلى اختبار عملي، فليس كل دولار تحققه شركة روسية من صادرات الديزل يتحول بصورة مباشرة إلى تمويل عسكري، كما أن الأثر المالي الإجمالي يعتمد على حجم الصادرات والأسعار والضرائب والجهات المستفيدة. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن توسيع فرص التصدير قد يساعد الاقتصاد الروسي على امتصاص جانب من الضغوط الخارجية.

وتبرز هنا مسألة أخرى: هل ستترافق الصفقة مع ضغوط أمريكية على كييف للحد من استهداف منشآت الطاقة الروسية؟ إن تحقق مثل هذا الارتباط سيمنح الاتفاق بعداً استراتيجياً يتجاوز تجارة الوقود، لأنه قد يؤثر في خيارات الطرفين العسكرية وفي طبيعة التوازن بين الضغط على موسكو والحفاظ على إمدادات الطاقة.

لكن لا ينبغي افتراض وجود مقايضة مباشرة بين صادرات الديزل والقيود على العمليات الأوكرانية ما لم تثبتها وثائق أو تصريحات موثوقة، فالترابط السياسي المحتمل بين المسألتين لا يكفي وحده لإثبات وجود شرط متبادل في الاتفاق.

و من الناحية الدبلوماسية، يظهر الاتفاق أن الخلافات السياسية لا تمنع بالضرورة التوصل إلى تفاهمات قطاعية عندما تلتقي المصالح الاقتصادية للطرفين. فواشنطن تحتاج إلى خيارات إضافية لمعالجة اضطرابات الطاقة، بينما تسعى موسكو إلى الحفاظ على منافذ لتصدير منتجاتها النفطية وتحقيق الإيرادات.

لكن هذا التقارب المحدود لا يعني تحولاً شاملاً في العلاقات بين البلدين. فالتعاون في سوق الديزل قد يتعايش مع استمرار الخلاف حول أوكرانيا والعقوبات والأمن الأوروبي. كما أن الترخيص المؤقت، بطبيعته، يختلف عن رفع شامل ودائم للقيود المفروضة على قطاع الطاقة الروسي.

ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان ترمب وبوتين قد توصلا إلى تفاهم بشأن الديزل فحسب، بل ما إذا كان هذا التفاهم سيبقى استثناء اقتصاديا محدودا، أم سيتحول إلى نموذج أوسع لإعادة تنظيم العلاقة التجارية بين واشنطن وموسكو.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل التناقض بين الخطاب السياسي الذي يشدد على ممارسة الضغط الاقتصادي على روسيا، والقرارات التي تسمح بتخفيف بعض القيود عندما تفرض الأسواق تكاليف مرتفعة على المستهلكين الأمريكيين.

Related posts

ترامب في مأزق مع استمرار الحرب على ايران و تصاعد الضغوط الداخلية

صابر الحرشاني

غزة.. مقتل 60 فلسطينيا الليلة بالغارات الإسرائيلية

محمد بن محمود

السعودية تحذر مواطنيها في فرنسا

محمد بن محمود

Leave a Comment