22.5 C
تونس
22 أكتوبر، 2026
عالمية

تراهن على الأمن لاحتواء الاحتجاجات.. هل تنجح فرنسا في تفادي التصعيد؟

صابر الحرشاني

تواجه الحكومة الفرنسية اختبارا جديدا لاحتواء الاحتجاجات التي تشهدتها البلاد ، بعد أن تحولت تحركات اجتماعية وطلابية إلى مواجهات وأعمال تخريب ونهب في عدد من المدن، وهو ما دفع السلطات إلى فرض حظر تجول في مناطق محددة، وتشديد الانتشار الأمني، والاستعداد لموجة احتجاجات جديدة يوم السبت المقبل.

وتحاول حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الجمع بين استعادة النظام العام وفتح قنوات للحوار مع النقابات، في وقت تكشف فيه التطورات أن الأزمة تتجاوز الاضطرابات الأمنية إلى مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وظروف المؤسسات التعليمية والخدمات العمومية.

إجراءات أمنية مشددة

و كشفت أحداث 17 أكتوبر الجاري عن قصور في استعداد الأجهزة الأمنية لحجم الاحتجاجات، إذ أقر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ووزير الداخلية لوران نونييز بوجود إخفاقات في تقدير حجم التحركات والتعامل مع أعمال العنف، بعدما شهدت باريس وليون ومرسيليا وبوردو ومدن أخرى مواجهات وعمليات تخريب ونهب.

وأفادت تقارير إعلامية بأن تقديرات الأجهزة الأمنية لم تتوقع حجم المشاركة الفعلية، وهو ما ساهم في إرباك الانتشار الميداني خلال بعض المواجهات.

وأمام هذه الانتقادات، أعلنت الحكومة الاستعداد لتعبئة أمنية واسعة خلال احتجاجات السبت المقبل، مع الاستعانة بعناصر عسكرية لمساندة الشرطة في بعض المهام، بما يتيح توجيه مزيد من الأعوان إلى تأمين التجمعات والتدخل عند الضرورة.

وفرضت السلطات الفرنسية حظر تجول ليليا في مناطق محددة من باريس وليون ومرسيليا ومدن أخرى، كما أعلنت سلطات تولوز إجراءات مماثلة في وسط المدينة بداية من ليلة الخميس.

وأكدت الحكومة الفرنسية أن القيود ساهمت في استعادة الهدوء خلال بعض الفترات، فيما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة المشتبه في تورطهم في أعمال التخريب، لكن نجاح هذه الإجراءات وفق مراقبون يظل مرتبطا بقدرة السلطات على منع تجدد المواجهات، خصوصا أن الحكومة لا تواجه مجموعات متورطة في العنف فحسب، وإنما تتحرك في سياق احتجاجات تضم أيضا طلابا ومواطنين يعبرون عن مطالب اجتماعية، ومن شأن الخلط بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب أن يزيد التوتر، في حين يتطلب فرض النظام العام تدخلا متناسبا يضمن حماية الممتلكات والأشخاص ويحافظ على حق التظاهر.

الحوار لا يشمل جميع الأطراف

وبالتوازي مع التشديد الأمني، استقبل لوكورنو ممثلي 5 نقابات عمالية، لبحث سبل ضمان حرية التظاهر ومنع تحول المسيرات إلى أعمال عنف، في إطار مسعى حكومي إلى فتح قنوات اتصال مع المنظمات النقابية قبل التحركات الجديدة.

غير أن الاجتماع أثار تحفظات بسبب غياب ممثلي التلاميذ، رغم أن مطالبهم تتعلق بجانب مهم من الأزمة، من بينها ظروف الدراسة، وتعويض المدرسين الغائبين، وتجديد المؤسسات التعليمية، إلى جانب ملفات مرتبطة بالتوجيه الجامعي. وقد انتقدت نقابات عدم دعوة ممثلي التلاميذ إلى الاجتماع، معتبرة أن بحث مطالبهم يقتضي إشراكهم مباشرة في الحوار.

ووعد رئيس الحكومة بإعلان إجراءات أولية تتعلق بمطالب التلاميذ في بداية الأسبوع المقبل، على أن يتيح النقاش بشأن الميزانية للبرلمان تناول هذه المطالب، ويمنح هذا التعهد الحكومة فرصة لتقديم استجابة تتجاوز الجانب الأمني، لكن أثره سيظل مرتبطا بطبيعة الإجراءات التي ستعلنها ومدى قدرتها على معالجة المشكلات المطروحة.

وفي موازاة ذلك، اتفقت الكتل السياسية في الجمعية الوطنية على إطلاق لجنة تحقيق برلمانية بشأن أعمال العنف والتدابير الأمنية التي رافقتها، وهو ما يفتح المجال لمساءلة الأجهزة المعنية بشأن تقدير حجم الاحتجاجات، وتوزيع القوات، وطريقة إدارة المواجهات.

وتضع هذه التطورات الحكومة أمام اختبار سياسي إضافي، إذ يتعين عليها إقناع الرأي العام بقدرتها على استعادة النظام العام، وتقديم إجابات بشأن الإخفاقات التي أقرت بها، مع تجنب تحويل التحقيق إلى مجرد تبادل للاتهامات بين الأطراف السياسية.

الحكومة امام اختبار السترات الصفراء

و تتجه الأنظار إلى احتجاجات السبت المقبل 24 أكتوبر، التي تستعد لها مجموعات من حركة السترات الصفراء وتحركات طلابية، فيما دعت النقابات العمالية إلى تحرك آخر يوم 5 نوفمبر. وستكون هذه المواعيد اختبارا لمدى قدرة الإجراءات الأمنية الجديدة على منع تكرار مشاهد العنف التي شهدتها المدن الفرنسية خلال نهاية الأسبوع الماضي.

وتتصل فرص احتواء الاحتجاجات أيضا بقدرة الحكومة على التعامل مع أسبابها الاجتماعية، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة والاعتراضات المتعلقة بظروف التعليم والخدمات العامة. فالتدابير الأمنية يمكن أن تحد من عمليات التخريب والنهب، لكنها لا تقدم وحدها إجابة عن المطالب التي دفعت المحتجين إلى الشارع.

وتزداد صعوبة المهمة في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة والخلافات السياسية بشأن أولويات الإنفاق، إذ تحتاج الاستجابة الاجتماعية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات مرتبطة بالميزانية وبالتوازنات داخل البرلمان.

ويرى محللون ان الهدوء الذي شهدته بعض المناطق بعد فرض حظر التجول يمثل مؤشرا على فاعلية التدخل الأمني في المدى القصير، لكنه لا يكفي لإثبات تراجع التعبئة الاجتماعية.

وسيكون حجم المشاركة في احتجاجات السبت، وطبيعة تعامل قوات الأمن معها، ومدى تقدم الحوار مع النقابات والطلاب، من أبرز المؤشرات التي ستحدد اتجاه الأزمة. وإذا اقترنت الإجراءات الأمنية باستجابة ملموسة للمطالب الاجتماعية، فقد تتمكن الحكومة من الحد من التصعيد، أما إذا اقتصرت المقاربة على القيود والايقافات، مع استمرار أسباب الغضب، فسيظل احتمال تجدد الاحتجاجات قائما.

Related posts

كوريا الشمالية تختبر قاذفات صواريخ جديدة

Walid Walid

تعرض 6 سفن لهجمات في الخليج ومضيق هرمز

صابر الحرشاني

أميركا تعاقب منظمة استيطا_نية إسرا_ئيلية.. وهذه التفاصيل

محمد بن محمود

Leave a Comment