20.9 C
تونس
22 أكتوبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

مخطط الاستثمار للعام المقبل.. أهداف أعلى واختبار صعب للتنفيذ

صابر الحرشاني

تراهن تونس خلال سنة 2027 على رفع نسق النمو الاقتصادي إلى 3.1%، مقابل تقديرات في حدود 2.7% لكامل سنة 2026، مع الترفيع في نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16.4%، بعد أن ينتظر أن تستقر في حدود 15.5% خلال السنة الحالية. وتندرج هذه الأهداف ضمن توجه يرمي إلى تنشيط الاستثمار العمومي والخاص، وتحسين مساهمة القطاعات المنتجة في خلق الثروة ومواطن الشغل، مع إعطاء أهمية أكبر للأنشطة ذات القيمة المضافة العالية.

وتتوقع التقديرات ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 4.8 مليار دينار سنة 2027، مقابل نحو 4 مليارات دينار سنة 2026، بالتوازي مع نمو الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 8%، مقابل 7.5% خلال السنة الحالية، وتراجع نسق نمو الواردات إلى 7.9% بعد تقديرات بـ10% سنة 2026. كما تستهدف البلاد حصر العجز الجاري في حدود 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.9% متوقعة خلال السنة الحالية.

وتعكس هذه المؤشرات الرهان على توسيع قاعدة الاستثمار وتحسين قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، غير أن بلوغها يبقى مرتبطا بتحويل التوجهات المعلنة إلى مشاريع منجزة، وبمعالجة العراقيل التي حدّت خلال سنة 2026 من أداء عدد من القطاعات، وخاصة الطاقة والمناجم وبعض الأنشطة الصناعية.

قطاعات في صدارة الأولويات

و تحتل الطاقات المتجددة موقعا بارزا ضمن توجهات الاستثمار لسنة 2027، إذ تستهدف الخطط رفع مساهمتها في المزيج الكهربائي من 12% سنة 2026 إلى 16% سنة 2027، مع استكمال مشاريع إنتاج الكهرباء ودخولها حيز الاستغلال وفق الآجال المبرمجة، وتطوير الشبكة الكهربائية وقدرات النقل والربط لاستيعاب الإنتاج الجديد.

وتشمل المشاريع المنتظرة دخول محطة الخبنة لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، بقدرة 198 ميغاواط، حيز الاستغلال، إلى جانب مشروع لطاقة الرياح بقدرة 77 ميغاواط، والانطلاق في إنجاز مشروع للطاقة الشمسية ببازمة من ولاية قبلي بقدرة 300 ميغاواط، مع منظومة لتخزين الكهرباء بالبطاريات. كما تتواصل برامج التراخيص والإنتاج الذاتي، بما يوسع تدريجيا مساهمة الطاقات النظيفة في تلبية الطلب المحلي ويحد من الضغط الذي تفرضه واردات الطاقة على التوازنات الخارجية.

وتتجه الأولويات أيضا إلى تحسين مناخ الأعمال، ودفع الاستثمار الخاص، وتسريع المشاريع العمومية، مع توجيه الموارد إلى القطاعات القادرة على رفع الإنتاجية وخلق القيمة المضافة. ويشمل هذا التوجه تطوير الاستثمارات الرقمية، وتوسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ودعم البحث والابتكار، إلى جانب تعزيز التنمية الجهوية وتوجيه المشاريع وفق جاهزيتها وجدواها الاقتصادية والاجتماعية وقدرتها على توفير مواطن الشغل.

ويبرز هنا رهان آخر يتعلق بتقليص الفجوة بين المشاريع المبرمجة والإنجاز الفعلي، من خلال تحسين إعداد المشاريع قبل إدراجها، ومتابعة تقدمها، والتدخل لمعالجة الصعوبات التي تعطلها. كما يقتضي تنشيط الاستثمار الخاص توفير ظروف أكثر استقرارا للمؤسسات، وتسهيل إنجاز المشاريع الإنتاجية والتصديرية، حتى لا تبقى الزيادة المنتظرة في الاستثمار مجرد هدف رقمي منفصل عن تطور الإنتاج والتشغيل.

فارق في المؤشرات والقدرة على الإنجاز

وتظهر نتائج سنة 2026 صورة متفاوتة للأداء الاقتصادي. فقد سجل الاقتصاد نموا بنسبة 2.4% خلال النصف الأول من السنة، لكن نسق النمو في الثلاثي الثاني تراجع إلى 2.3%، مقابل 3.4% خلال الفترة نفسها من سنة 2025. كما خفّضت التقديرات السنوية للنمو إلى 2.7%، بعد أن كانت الفرضيات الأولية تشير إلى 3.3%، وهو تعديل يعكس محدودية أداء بعض القطاعات وتأثير الضغوط المناخية والاضطرابات الخارجية.

وساهم تحسن النشاط الفلاحي في دعم النمو، إذ ارتفعت القيمة المضافة للقطاع بنسبة 5.5% خلال الثلاثي الثاني، مستفيدة من تطور إنتاج الحبوب والزيتون. لكن هذا التحسن لم ينعكس بالقدر نفسه على بقية الأنشطة، فقد سجلت الصناعات المعملية نموا محدودا، ولم تتجاوز الزيادة في القيمة المضافة للصناعات الميكانيكية والكهربائية 1.6% خلال الثلاثي الثاني، مقابل 7.7% في الفترة المقابلة من السنة الماضية، فيما تراجعت القيمة المضافة لقطاع النسيج والملابس والأحذية بنسبة 0.9%.

وتكشف الطاقة والمناجم بدورهما عن صعوبات مباشرة في بلوغ الأهداف الإنتاجية. فقد تراجع إنتاج النفط الخام بنسبة 4% إلى موفى جويلية 2026، كما انخفض إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 1%. وفي قطاع الفسفاط، تشير التقديرات إلى نقل نحو 2.5 مليون طن خلال السنة، مقابل 5.6 ملايين طن كانت مبرمجة، في ظل تعطل بعض الأشغال ونقص المعدات واضطراب النقل وتأخر مشاريع منجمية.

أما مؤشرات الاستثمار المسجلة خلال الأشهر الأولى من السنة، فقد أظهرت ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 12.1% إلى موفى جويلية، مع نمو الاستثمارات في القطاع الصناعي، لكن الاستثمارات المصرح بها تراجعت بنسبة 2.9% إلى موفى جوان، كما سجل قطاعا الخدمات والفلاحة انخفاضا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ويبرز هذا التباين أن التحسن في بعض المؤشرات لا يعني تعافي الاستثمار في مختلف القطاعات بالنسق نفسه.

وتضع حصيلة 2026 السياسات الاقتصادية أمام اختبار التنفيذ خلال السنة المقبلة، فرفع النمو والاستثمار يتطلب معالجة أسباب تعطل الإنتاج، وتسريع المشاريع الجاهزة، وتحسين حوكمة المؤسسات العمومية، وتوجيه التمويل إلى الأنشطة التي تخلق القيمة وفرص العمل. كما أن بلوغ أهداف 2027 سيظل رهينا بقدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتقلبات الخارجية والمناخية، وتحويل الاستثمارات المعلنة إلى طاقة إنتاجية إضافية تنعكس على النمو والتشغيل والتوازنات المالية.

Related posts

طارق الشريف رئيس كونكت الدولية في ضيافة كنفدرالية المؤسسات الصغرى والمتوسطة الفرنسية CPME

khairi

من 7 الى 13 أكتوبر 2024: بورصة تونس تشارك في الأسبوع العالمي للمستثمر

Na Da

تم تقديم مبادرة برلمانية بشانها: مقترح تعزيز استعمال اللغة الإنجليزية… وخيار الضرورة

صابر الحرشاني

Leave a Comment