4 نوفمبر، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

تعرض غدا في لجنة مشتركة في البرلمان: هذه تفاصيل برامج وسياسات وزارة التجارة

صابر الحرشاني

تتجه الأنظار غدا إلى جلسة الاستماع التي تعقدها لجنة الصناعة ولجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس نواب الشعب مع وزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، لمناقشة تنفيذ ميزانية سنة 2026 وبرامج الوزارة وتوجهاتها ضمن مشروع ميزانية سنة 2027، في سياق اقتصادي يتسم بتفاقم العجز التجاري وارتفاع كلفة الواردات، مقابل تحسن نسبي في أداء عدد من القطاعات التصديرية.

وتكتسي هذه الجلسة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم التحديات المطروحة أمام السياسة التجارية التونسية، سواء على مستوى التوازنات الخارجية أو القدرة الشرائية للمواطنين أو تنظيم السوق الداخلية وضمان انتظام التزويد بالمواد الأساسية، كما تمثل مناسبة لتقييم مدى تقدم الإصلاحات المبرمجة، ومدى قدرة الوزارة على تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة على مستوى الصادرات والاستثمار والتشغيل.

وتكشف المعطيات المتعلقة بالمبادلات التجارية خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 عن اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، إذ بلغ العجز التجاري نحو 17.85 مليار دينار، مقابل 14.64 مليار دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، حيث يضع هذا التطور ملف التوازن التجاري في صدارة الانتظارات من النقاش البرلماني، خاصة في ظل ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، واستمرار الضغط الذي تمارسه فاتورة الطاقة على الاقتصاد الوطني.

اختبار نجاعة السياسة التصديرية

وسجلت الصادرات التونسية خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 ارتفاعا بنسبة تقارب 8 بالمائة بالأسعار الجارية، لتبلغ 44.67 مليار دينار، مقابل 41.37 مليار دينار خلال الفترة نفسها من السنة السابقة. غير أن الواردات ارتفعت بنسبة تناهز 11.6 بالمائة، لتصل إلى 62.53 مليار دينار، مقابل 56.01 مليار دينار، وهو ما أدى إلى تراجع نسبة تغطية الواردات بالصادرات من 73.8 إلى 71.4 بالمائة.

وتبرز هذه الأرقام أن نمو الصادرات، على أهميته، لم يكن كافيا لمجاراة نسق تطور الواردات، الأمر الذي يعيد طرح مسألة تنافسية المنتوج التونسي وقدرة الاقتصاد على الحد من حاجياته من التوريد، دون الإضرار بمتطلبات الإنتاج والاستثمار والاستهلاك.

ويزداد هذا التحدي وضوحًا عند النظر إلى أداء النظامين المقيمين وغير المقيمين في التجارة الخارجية. فقد حقق النظام غير المقيم، الذي يضم أساسًا المؤسسات الموجهة إلى التصدير، فائضًا تجاريًا بقيمة 12.79 مليار دينار، بفضل صادرات بلغت 31.70 مليار دينار مقابل واردات في حدود 18.90 مليار دينار. وفي المقابل، سجل النظام العام، المرتبط أساسًا بالسوق المحلية، عجزًا بلغ 30.65 مليار دينار، نتيجة صادرات بقيمة 12.98 مليار دينار وواردات ناهزت 43.63 مليار دينار.

ويعكس هذا التفاوت أهمية المؤسسات الصناعية المصدرة في دعم المبادلات الخارجية، لكنه يبرز أيضًا استمرار الضغوط المرتبطة بحاجيات السوق المحلية من المنتجات والمواد الأولية والتجهيزات والطاقة.

وتظل الطاقة من أبرز مصادر الاختلال، إذ ارتفعت وارداتها بنسبة 28.5 بالمائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، واتسع العجز التجاري الطاقي إلى 8.93 مليارات دينار، بزيادة تقارب 24.9 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. وتمثل هذه القيمة نحو نصف العجز التجاري الجملي، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة المرجعية.

وفي المقابل، سجل الميزان التجاري الغذائي فائضًا بقيمة 983.1 مليون دينار، مقابل 684.1 مليون دينار خلال الفترة المقابلة من السنة الماضية، مستفيدًا من تحسن أداء الصادرات الفلاحية والغذائية، وخاصة زيت الزيتون.

فقد ارتفعت صادرات هذا القطاع بنسبة 20.8 بالمائة، فيما بلغت عائدات زيت الزيتون 3.77 مليارات دينار، مقابل 2.70 مليار دينار، بزيادة قدرها 39.5 بالمائة. وجاء هذا التحسن أساسًا نتيجة ارتفاع الكميات المصدرة بنسبة 43.1 بالمائة، رغم تراجع الأسعار العالمية بنسبة 2.5 بالمائة، كما ارتفعت صادرات التمور بنسبة 11 بالمائة.

وسجلت الصناعات الميكانيكية والكهربائية بدورها نموًا في الصادرات بنسبة 8.5 بالمائة، مدعومة بالطلب الخارجي على مكونات السيارات والأسلاك والمعدات الكهربائية. غير أن صادرات النسيج والملابس والأحذية تراجعت بنسبة 4.8 بالمائة، وانخفضت صادرات الفسفاط ومشتقاته بنسبة 12 بالمائة.

وتطرح هذه المؤشرات أمام اللجنة البرلمانية مسألة كيفية دعم القطاعات التي تحقق نموًا تصديريًا، ومعالجة الصعوبات التي تواجه الأنشطة المتراجعة، بالتوازي مع تقليص أثر الواردات الطاقية وتحسين قدرة الاقتصاد على تحقيق موارد إضافية من العملة الأجنبية.

رقمنة التجارة الداخلية وتطوير الرقابة

ولا تقتصر رهانات وزارة التجارة وتنمية الصادرات على المبادلات الخارجية، بل تشمل كذلك تنظيم السوق الداخلية، ومراقبة مسالك توزيع المواد الأساسية، وتعزيز المنافسة وحماية المستهلك. وتبرز هذه الملفات باعتبارها من أكثر المحاور ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطنين، في ظل استمرار الضغوط على الأسعار وتفاوت نسق ارتفاعها بين المواد الحرة والمواد المؤطرة.

وتتجه البرامج المبرمجة إلى رقمنة مسالك توزيع السكر والزيت النباتي والقهوة والمواد الأساسية الموجهة للاستهلاك العائلي، مع الفصل بين الاستعمال العائلي والاستعمال المهني للمواد المدعمة. ويشمل ذلك تعميم التتبع والفوترة الإلكترونية واعتماد تعليب مميز للمنتجات الموجهة إلى الاستهلاك العائلي، بما يسمح بتحسين مراقبة مسارها والحد من تسربها إلى استعمالات غير مخصصة لها.

كما تتضمن التوجهات تعزيز الرقابة الاقتصادية والميدانية، وتطوير آليات متابعة المخالفات والممارسات الاحتكارية. وتشير المعطيات الواردة في النص المرجعي إلى تنفيذ ستة قرارات صادرة عن مجلس المنافسة، تضمنت خطايا مالية تناهز 3.8 ملايين دينار. ويأتي ذلك في وقت بلغ فيه التضخم في المواد حرة الأسعار 6.4 بالمائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، مقابل 1.1 بالمائة للمواد المؤطرة أسعارها. وعلى مستوى الأغذية، بلغ ارتفاع الأسعار 8.2 بالمائة بالنسبة إلى المنتجات حرة الأسعار، مقابل 0.2 بالمائة للمنتجات المؤطرة.

وتستهدف التوجهات الاقتصادية حصر معدل التضخم السنوي عند 5.2 بالمائة سنة 2027، مقابل تقديرات تبلغ 5.3 بالمائة لسنة 2026. غير أن بلوغ هذا الهدف يظل مرتبطًا بتطور كلفة التوريد والإنتاج، ومدى فاعلية الرقابة، وانتظام التزويد، وقدرة منظومة التوزيع على الحد من الاختلالات التي قد ترفع الأسعار على مستوى البيع للمستهلك.

وفي السياق نفسه، تتضمن البرامج مواصلة تطوير البنية التحتية التجارية وأسواق الإنتاج، من خلال التقدم في مشروع منصة أسواق الإنتاج بالوسط في سيدي بوزيد، واستكمال الدراسات الفنية المتعلقة بالقاعدة التجارية بباجة، ومواصلة إنجاز أسواق إنتاج التمور في قبلي وتوزر، وسوق القوارص بمنزل بوزلفة.

وتستهدف هذه المشاريع تقريب فضاءات التبادل من مناطق الإنتاج، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتنظيم مسالك التوزيع، بما قد يساهم في تقليص حلقات الوساطة وتحسين شفافية المعاملات. كما تتجه الوزارة إلى تعميم الفوترة الرقمية في أهم أسواق الجملة وأسواق منتجات الصيد البحري، وإعداد مخططات لتنظيم الانتصاب التجاري في عدد من الأنشطة.

أما على المستوى المؤسساتي، فتشمل الإصلاحات مراجعة القوانين المنظمة للمنافسة وحماية المستهلك والبيع والإشهار التجاري والتجارة الخارجية، إلى جانب مواصلة إعادة هيكلة الديوان التونسي للتجارة والشركة التونسية لأسواق الجملة وشركة اللحوم وغرف التجارة والصناعة. كما تندرج ضمن التوجهات برمجة تركيز الوكالة الوطنية لسلامة المنتجات الصناعية ومراقبة السوق.

وتبقى المسألة الأساسية في هذا الجانب مرتبطة بمدى تقدم هذه الإصلاحات، والآجال المحددة لإنجازها، والموارد المرصودة لها، فضلًا عن قدرتها على تحسين أداء المؤسسات العمومية المتدخلة في التموين والتوزيع والرقابة.

تنويع الأسواق وتوسيع قاعدة المؤسسات المصدرة

وتراهن التوجهات المبرمجة لسنة 2027 على تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد التونسي، وتوسيع الحضور في الأسواق الأفريقية والدولية، وتطوير الصادرات ذات القيمة المضافة العالية. وتستهدف التوقعات نمو الصادرات السلعية بنسبة 7.9 بالمائة بالأسعار الجارية، وارتفاع إجمالي صادرات السلع والخدمات بنسبة 8 بالمائة بالأسعار الجارية و4.9 بالمائة بالأسعار القارة.

كما تستهدف نمو صادرات مكونات السيارات بنسبة 8.6 بالمائة، وصادرات الفلاحة والصناعات الغذائية بنسبة 7.1 بالمائة، في توجه يستند إلى القطاعات التي تتمتع بقدرة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية والاندماج في سلاسل القيمة الدولية.

وفي المقابل، تتوقع التوجهات تباطؤ نمو الواردات السلعية إلى 6.9 بالمائة بالأسعار الجارية سنة 2027، مقابل 10.8 بالمائة سنة 2026. غير أن هذه التوقعات لا تعني بالضرورة تقلص العجز التجاري، إذ يظل تطوره مرتبطًا بالفارق بين قيمة الصادرات والواردات، وبالأسعار العالمية للطاقة والمواد الأولية، وبحاجيات الاقتصاد من المنتجات المستوردة.

ويحتل تنويع الأسواق موقعًا مهمًا ضمن هذه الاستراتيجية، من خلال مواصلة تفعيل الممر التجاري البري التونسي-الليبي نحو أفريقيا جنوب الصحراء، واستكمال مكونات منطقة الأنشطة التجارية واللوجستية ببنقردان، ومتابعة المخطط المديري للمناطق الحرة التجارية على الحدود التونسية الجزائرية. كما تستعد تونس لاستضافة الدورة الرابعة من التظاهرة الاقتصادية الأفريقية «BIASHRA AFRIKA 2027»، في إطار دعم الشراكات التجارية والاستثمارية مع البلدان الأفريقية.

وتشمل البرامج أيضًا إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية للفترة 2027-2031، وتطوير بوابة للتجارة الإلكترونية الموثوقة، وتحسين أطر الدفع الإلكتروني والخدمات اللوجستية البريدية، إلى جانب مواصلة برنامج «Easy Export» الهادف إلى تسهيل التصدير عبر الشبكة البريدية، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

غير أن توسيع الأسواق لا ينفصل عن ضرورة توسيع قاعدة المؤسسات المصدرة نفسها. فقد بلغ عدد المؤسسات التي تجاوزت صادراتها 10 آلاف دينار 4,678 مؤسسة خلال السداسي الأول من سنة 2026، مقابل 4,896 مؤسسة خلال الفترة نفسها من سنة 2025. كما تستأثر أكبر 50 مؤسسة مصدرة بنحو 41.8 بالمائة من إجمالي الصادرات الوطنية، وهو ما يعكس تمركزًا ملحوظًا لعائدات التصدير لدى عدد محدود نسبيًا من المؤسسات.

Related posts

إلى غاية موفى جويلية .. شركة فسفاط قفصة تصدر 158 ألف طن من الفسفاط

marwa

معالم ومواقع تونسية / ساعة تستور المعكوسة…هندسة أندلسية رائعة

صابر الحرشاني

بداية من الاثنين المقبل انطلاق بيع اشتراكات النقل المدرسي والجامعي

root

Leave a Comment