27 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رمضان يجمعنا

رمضان.. شهر الاستقامة

لهذا الشهر العظيم ثمار عديدة ومزايا فريدة؛ من ذلك أنه يعين المسلم على دوام الطاعة والإيمان والاستقامة، فأن يستمر ثلاثين يوما على عبادات وأعمال صالحة متنوعة، يوطن نفسه ويثبت قلبه ويسدد جوارحه، لأن تكون هذه صفات راسخة وملكة دائمة بعد رمضان. شهر رمضان شهر استقامة وإيمان وثبات على دين الله، قال تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” [البقرة:158]، ففيه هداية وتسديد وإذعان، فيزيد الإيمان وتتنوع عبادات القلب والأركان، من التقوى والصبر والذكر والدعاء والصدقة وتلاوة القرآن، فهنا هداية مضاعفة؛ هداية القرآن وهداية شهر رمضان. عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ» (صحيح مسلم). ماذا نريد من هذا الشهر الكريم؟ أن تُعتق رقابنا من النار، ولله في كل يوم وليلة عتقاء، وأن تكفر عنا السيئات، فمن دخل عليه هذا الشهر ثم مات ولم يغفر له أبعده الله! ودخول الجنان، فللصائم باب الريان في الجنة. من ثمار شهر رمضان تكفير السيئات ودخول الجنان، وهذا لا يتحقق إلا بالاستقامة على أوامر العزيز الرحمن، كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ؛ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ؛ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}[فصلت:30-32]، فقال: لم يروغوا روغان الثعلب. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] قال: استقاموا على أداء فرائضه. وعن أبي العالية، قال: ثم أخلصوا له الدين والعمل. وعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.

 والاستقامة كما يعرفها ابن حجر: “الاستقامة كناية عن التّمسّك بأمر اللّه تعالى فعلا وتركا”. والاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.

وحقيقة الاستقامة السداد والهداية والتوفيق لما فيه مرضاة الله، وهو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد، وقال عليه الصلاة والسلام: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا»(رواه مسلم). وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه؛ (جامع العلوم والحكم). ويقول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الحسن من حديث أبي سعيد الخدري: «إذا أصبح ابنُ آدمَ فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تُكفِّرُ الِّلسانَ فتقول: اتَّقِ اللهَ فينا، فإنما نحن بك، فإن استقَمتَ استقَمْنا، وإن اعوَجَجْتَ اعْوجَجْنا» ما يشير إلى ديمومة العمل والاستمرار في الطاعة لما بعد رمضان. فالاستقامة المطلوبة هي ثبات الإيمان وزيادته ودوام الطاعات والصالحات، والإيمان قول وعمل واعتقاد، وشهر رمضان فيه من تنوع العبادات وتباعد الملهيات والمغريات ما يهيئ للصادق تجديد إيمانه وتقويته واستقامة العبد على ذلك.
فالمسلم على مدار السنة ملاحق من الدنيا، تلاحقه في بطنه وفرجه وحاجياته المادية، أما في هذا الشهر الكريم، فإن الدنيا تركن جانباً، ويفسح المجال للآخرة لتأخذ دورها في توجيه الإنسان الوجهة السليمة، فالعطش والجوع، والشدّة والبلاء فيه، إنّما تذكر بشدّة أكبر، وجوع أشدّ وعطش أظمأ، إنّه عطش وجوع وشدّة يوم القيامة الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: “فاذكروا بجوعكم وعطشكم جوع يوم القيامة وعطشه”.إنّ هذا الشهر الكريم يجعل الإنسان يعيش حياته بعد موته، وما أجمل أن يسبق الإنسان الزمن، فيموت قبل موته – كما يقول الإمام علي -، ويعيش الآخرة في الدنيا!

وإذا كان الله سبحانه، يقدّر للإنسان في ليلة القدر، ما الذي سيجري عليه في عام كامل، فجدير بالإنسان أن يجمّع كل قواه لهذه الليلة، ليطلب من الله ما الذي يريده هو أن يكون عليه، ومن سلامة وعافية، وحمل رسالة الله لخلقه، وتصحيح نيّته، وسلامة قلبه وطهارة عمله، وكسب الحلال فيه. والانطلاق في الحياة بما يرضي الله في الدنيا والآخرة.فهذا الشهر الكريم، هو شهر التطوّر السليم نحو الأفضل، وهو التطوّر الذي يبنيه الإنسان بنفسه، لا الذي يفرضه الآخرون عليه.

وهذا الشهر الكريم، فرصة جيدة لتجريب الإرادة واكتشاف النفس، فالإنسان بطبعه ينهار أمام ضربات الجوع والعطش واللذة. ولكنّه في هذا الشهر بحاجة لتغلّب إرادته على شهوته، وقيمه على لذّته. وإلاّ فإن الخضوع للذّة، أو عدم الصبر على جوع أو عطش، قد يدخل الإنسان ناراً سجرها جبّارها لغضبه.

Related posts

قٌتلوا في الحرب الاخيرة…انطلاق موكب تشييع القادة و العلماء في ايران

صابر الحرشاني

تعرف على تفاصيل ميزانيات المهمات في مشروع ميزانية الدولة

صابر الحرشاني

برنامج خاص لتمويل مشاريع ذوي الإعاقة

صابر الحرشاني

Leave a Comment