15.3 C
تونس
28 فبراير، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

بين الردع الصارم والمقاربة العلاجية :لجنة التشريع العام تناقش تنقيح قانون المخدرات

استمعت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب إلى أصحاب مقترح تنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة جرائم المخدرات، في إطار مناقشة مبادرة تشريعية تتضمن مراجعة شاملة للمنظومة الحالية، على خلفية ما اعتبره أصحابها استفحالًا غير مسبوق لظاهرة تعاطي وترويج المخدرات بما يهدد الصحة العامة والأمن القومي.

وأكد أصحاب المبادرة أن النص الحالي لم يعد كافيا للتصدي للتحولات التي شهدتها الجريمة المنظمة في مجال المخدرات، معتبرين أن المقترح الجديد يقوم على ثلاثة أبعاد أساسية: بعد ردعي يهدف إلى تشديد العقوبات على شبكات الترويج والاتجار، وبعد علاجي يكرس مقاربة صحية تجاه المدمنين، وبعد وقائي يرتكز على تطوير آليات المكافحة باستخدام التكنولوجيات الحديثة واعتماد وسائل تحقيق متطورة لاختراق الشبكات وتجريم التلاعب بالعينات البيولوجية.

تخفيف عقوبة الاستهلاك وتشديد على الترويج

ومن أبرز التعديلات المقترحة تنقيح الفصل 4 المتعلق بالاستهلاك الشخصي، حيث تم اقتراح إلغاء العقوبة السجنية الحالية التي تتراوح بين عام وخمسة أعوام، وتعويضها بعقوبة من ستة أشهر إلى عام وخطية مالية من 3 آلاف إلى 10 آلاف دينار أو بإحدى العقوبتين.

كما تم التنصيص على معاقبة كل من يُدعى مرتين لأخذ عينة بيولوجية للكشف عن مواد مخدرة ويتعمد عدم الامتثال أو استبدال العينة، مع تطبيق أقصى العقوبات في حال ثبوت التلاعب. ويجرّم المقترح كذلك تسليم أو عرض مواد مخدرة دون مقابل بقصد الاستهلاك، أو وضعها في أغذية أو مشروبات، مع مضاعفة العقوبة إذا تم ذلك دون علم المستهلك، وإمكانية الحكم بسحب رخصة السياقة لمدة عامين.

خطايا مالية تصل إلى مليون دينار

في المقابل، حافظ المقترح على العقوبات السجنية الخاصة بالاتجار (من 6 إلى 10 أعوام)، لكنه رفع الخطايا المالية إلى ما بين 50 ألفا و100 ألف دينار.

كما تم الترفيع في خطايا جرائم التهريب أو التوريد أو التصدير بقصد الترويج لتتراوح بين 100 ألف و500 ألف دينار، مع الإبقاء على عقوبات سجنية قد تصل إلى 20 عاما.

أما بخصوص العصابات المنظمة، فقد تم اقتراح رفع الخطية إلى سقف مليون دينار، مع الإبقاء على عقوبة السجن من 20 عاما إلى السجن بقية العمر لكل من كوّن أو أدار أو شارك في شبكة تنشط في جرائم المخدرات.

وشمل التعديل الفصل المتعلق بتخصيص أماكن لتعاطي أو ترويج المخدرات، مع التمييز بين التعاطي المتكرر والترويج أو الخزن أو الإخفاء، حيث قد تصل العقوبات في الصورة الثانية إلى 20 عاما سجنا، وتُسلّط أقصى العقوبات إذا ارتُكبت الجرائم في فضاءات يرتادها العموم، خاصة المؤسسات التربوية ومحيطها.

حماية مشددة للقُصّر

وأكد المقترح تسليط أقصى العقوبات إذا ارتكبت الجرائم ضد قاصر أو باستغلاله أو داخل مؤسسة تربوية أو اجتماعية أو رياضية أو ثقافية، مع حرمان المحكوم عليه من ممارسة أي نشاط يتعلق بالتعامل مع القاصرين لمدة لا تقل عن 10 سنوات بعد قضاء العقوبة.

كما تم اقتراح نظام خاص بالأحداث دون 18 سنة المتورطين في الاستهلاك، يقوم على برنامج تأهيل إجباري تحت إشراف مختصين، وخدمة مجتمعية لا تقل عن 500 ساعة، إضافة إلى جلسات توعية وإرشاد نفسي بمشاركة الأسرة.

و تضمن المقترح بابا جديدا يتعلق بوسائل الإثبات وطرق التحري الخاصة، يجيز إجراء عمليات تسليم مراقب لاختراق الشبكات، واعتراض الاتصالات والتنصت بقرار قضائي معلل لمدة محددة، مع إخضاع هذه الإجراءات لرقابة قضائية دقيقة.

كما تم توسيع نطاق المكاسب القابلة للحجز لتشمل المنقولات والعقارات والأرصدة المالية، مع إمكانية تجميدها إلى حين البت النهائي في القضية.

ونص المشروع أيضا على تجريم تعمد التلاعب بالعينات البيولوجية أو افتعال نتائج تحاليل، بعقوبات قد تصل إلى 15 عاما سجنا إذا كان الفاعل موظفا بحكم وظيفته، فضلا عن تجريم الاعتداء على الأعوان المكلفين بتطبيق القانون وأفراد أسرهم، وتجريم نشر محتوى إعلامي أو رقمي يهدف إلى التشجيع على استهلاك المخدرات.

مراجعة نظام العلاج

في البعد العلاجي، اقترح النص تمكين المدمن من التوجه طوعا إلى طبيب مختص بالمؤسسات الاستشفائية العمومية قبل اكتشاف الأفعال المنسوبة إليه، كما يمكن للمحكمة إخضاع المحكوم عليه للعلاج، مع إمكانية استصدار إذن قضائي لإلزامه به في صورة الرفض.

في تفاعلهم مع المبادرة، ثمّن عدد من أعضاء اللجنة المقترح التشريعي في ظل استفحال ظاهرة الإدمان خاصة في صفوف الأطفال والشباب، مشيرين إلى أن عدد المتورطين يوميا يبلغ 34 شخصا، وما رافق ذلك من تنامٍ لظواهر العنف والجريمة المرتبطة بتأثير المخدرات.

غير أن النقاش كشف عن تباين في وجهات النظر. فقد اعتبر أحد النواب أن تقليص العقوبة بالنسبة لاستهلاك المواد المخدرة حاد عن الأهداف الردعية المرجوة، وأن الاستهلاك مرتبط عضويا بالترويج، ما يستوجب إعادة النظر في المنظومة الزجرية برمتها.

في المقابل، رأى عدد من النواب أن المقاربة الردعية وحدها غير كافية، وأن معالجة الظاهرة تقتضي إصلاحا أعمق يشمل المنتوج الثقافي والنظام التربوي، إلى جانب إصلاح أجهزة الديوانة والأمن وتجفيف منابع التهريب والتصدي للرشوة.

وأكد نائب آخر ضرورة أن تأخذ المقاربة القانونية بعين الاعتبار التحولات الخطيرة التي شهدتها الظاهرة، ومنها تحول بعض الأطفال والقصر إلى مروجين، وظهور أصناف جديدة أشد خطورة على الصحة وتؤدي إلى الإدمان السريع، مع تسويقها بأسعار منخفضة. كما دعا إلى النظر في البعد السياسي والرهانات المرتبطة بالتجارة العابرة للحدود.

دعوة لتقييم القانون الحالي

كما دعا عدد من النواب إلى توجيه طلب رسمي إلى السلطة التنفيذية لمدّ اللجنة بإحصائيات دقيقة حول تقييم الأثر التشريعي للقانون عدد 39 المؤرخ في 8 ماي 2017، في ظل انقسام داخل المجلس بين من يرى أن تشديد العقوبات يساهم في تقليص الظاهرة، ومن يعتبر أن تخفيفها واعتماد عقوبات بديلة ومقاربات علاجية هو السبيل الأنجع لمعالجتها.

Related posts

عثمان الجرندي يتابع الاستعدادات للتصويت في الاستفتاء بالخارج

root

تأخير جلسة قضية الشهيد بلعيد 

Na Da

وسط تكدس المبادرات…المطلوب ثورة تشريعية لا تضخم تشريعي

صابر الحرشاني

Leave a Comment