9.1 C
تونس
16 مارس، 2026
الصفحة الأولى دولي

المرشد الجديد… كما تراه واشنطن ؟

كيف تنظر واشنطن إلى مرحلة ما بعد خامنئي، وما نوع القيادة التي يمكن للولايات المتحدة التعايش معها في طهران في الأنظمة الثورية لا تكون لحظة الخطر الحقيقية عندما تبدأ الثورة، بل عندما يختفي القائد الذي صاغ عقيدتها.

عندها فقط يبدأ السؤال الأكبر: من يرث الفكرة… ومن يرث السلطة؟

في واشنطن لا يُنظر إلى مسألة اختيار المرشد الأعلى في إيران بوصفها مجرد قضية داخلية تخص النظام الإيراني. فموقع المرشد الأعلى يشكل في نظر صناع القرار الأمريكيين نقطة الارتكاز في بنية السلطة الإيرانية، وهو الموقع الذي يحدد في النهاية اتجاه السياسة النووية والعسكرية والإقليمية للجمهورية الإسلامية.

لكن أهمية هذا الموقع لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية أو البرنامج النووي، بل أيضاً بالدور العقائدي الذي يمارسه المرشد في تحديد الاتجاه العام للمشروع السياسي الإيراني منذ الثورة التي قادها الخميني عام 1979. فبالنسبة لكثير من التحليلات الغربية، يمثل المرشد الأعلى مركز القيادة السياسية والعسكرية والعقائدية للنظام في آن واحد.

ولهذا السبب راقبت الولايات المتحدة بدقة مسألة انتقال القيادة في طهران، ليس بهدف اختيار شخصية بعينها، بل لمعرفة أي نموذج من القيادة قد يخرج من داخل النظام الإيراني بعد هذه المرحلة. فالسؤال الذي شغل مراكز القرار في واشنطن ليس هوية المرشد الجديد، بل أي إيران سيقودها هذا المرشد.

 ما الذي تريده واشنطن من إيران؟

في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية لا يتم تعريف المشكلة الإيرانية بوصفها مشكلة شخصية مرتبطة بقائد معين، بل بوصفها مشكلة سلوك استراتيجي للنظام الإيراني. ولهذا ركزت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على ثلاثة ملفات رئيسية هي البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والقدرات الصاروخية ومن هذا المنظور فإن المرشد الذي يمكن للولايات المتحدة التعايش معه هو المرشد الذي يستطيع إعادة ضبط هذه الملفات الثلاثة بطريقة تقلل من التوتر الاستراتيجي مع واشنطن.

 عقيدة ترامب: الضغط لتغيير السلوك

في عهد دونالد ترامب تبلورت مقاربة مختلفة تجاه إيران عُرفت بسياسة الضغط الأقصى. لكن الهدف النهائي لهذه السياسة لم يكن بالضرورة إسقاط النظام فوراً، بل دفعه إلى تغيير سلوكه الاستراتيجي.

وقد عبرت تقارير بحثية أمريكية عديدة عن هذا الهدف بوضوح: الضغط الاقتصادي والعسكري يجب أن يقود في النهاية إلى قيادة إيرانية أكثر براغماتية قادرة على إعادة التفاوض حول موقع إيران في النظام الإقليمي.

 أي مرشد يمكن أن تقبله واشنطن؟

إذا نظرنا إلى النقاشات الدائرة داخل مراكز الدراسات الأمريكية، يمكن ملاحظة أن واشنطن لم تبحث عن “مرشد موالٍ للولايات المتحدة”، فهذا احتمال غير واقعي في النظام الإيراني بل بحثت عن مرشد يتمتع بثلاث صفات أساسية هي براغماتية سياسية وقدرة على ضبط المؤسسة العسكرية واستعداد لإعادة التفاوض حول الملفات الكبرى

بعبارة أخرى، المرشد الذي كان يمكن لواشنطن التعايش معه هو المرشد القادر على تحويل الصراع مع الولايات المتحدة من مواجهة مفتوحة إلى منافسة يمكن إدارتها.

 الحرس الثوري في الحسابات الأمريكية

من منظور واشنطن يشكل الحرس الثوري الإيراني العامل الأكثر تأثيراً في تحديد سلوك إيران الإقليمي. ولهذا فإن أي مرشد جديد سيُقيَّم في واشنطن وفق سؤال بسيط: هل يستطيع ضبط نفوذ الحرس الثوري… أم أنه سيكون إمتداداً سياسياً له؟ وهذا السؤال يحدد إلى حد كبير الطريقة التي ستتعامل بها الولايات المتحدة مع القيادة الإيرانية القادمة.

 بين تغيير النظام وتغيير السلوك

داخل واشنطن نفسها يوجد نقاش قديم حول إيران: هل الهدف هو تغيير النظام أم تغيير سلوكه؟ في بعض اللحظات التاريخية مالت السياسة الأمريكية إلى الخيار الأول، لكن في كثير من الأحيان فضلت الولايات المتحدة الخيار الثاني لأنه أقل كلفة وأكثر واقعية. ولهذا فإن انتقال القيادة في إيران قد يُنظر إليه في واشنطن بوصفه فرصة لإعادة اختبار

 لحظة الخلافة كفرصة استراتيجية

في نظر بعض دوائر القرار في واشنطن، قد تمثل مرحلة انتقال القيادة في إيران لحظة نادرة لإعادة اختبار العلاقة بين البلدين. فالنظم الثورية غالباً ما تمر بمرحلة إعادة تعريف لسياساتها عندما تتغير قيادتها العليا. ولهذا يرى بعض الباحثين أن لحظة ما بعد علي خامنئي قد تفتح نافذة محدودة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة. لكن هذه النافذة، إن وجدت، لن تعتمد فقط على شخصية المرشد القادم، بل على قدرة النظام الإيراني نفسه على إعادة صياغة توازنه الداخلي بين المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية، وخاصة دور الحرس الثوري الإيراني في تحديد اتجاه السياسة الإقليمية للجمهورية الإسلامية.

في النهاية لم تستطع الولايات المتحدة اختيار المرشد الأعلى في إيران، فهذه مسألة حسمتها توازنات داخلية معقدة داخل النظام الإيراني نفسه. لكن واشنطن تستطيع أن تحدد كيف ستتعامل مع القيادة الجديدة التي ستخرج من هذه المعادلة. وفي الواقع يعكس هذا المنطق أحد الثوابت في السلوك الدبلوماسي الأمريكي في علاقاته الخارجية. فالولايات المتحدة نادراً ما تعلن تبنيها لقيادة بعينها داخل الدول الأخرى، لكنها تركز بدلاً من ذلك على تحديد طبيعة العلاقة التي يمكن أن تقيمها مع القيادة التي تفرزها التوازنات الداخلية لتلك الدول. ولهذا فإن السؤال في واشنطن لا يدور عادة حول من سيصل إلى السلطة بقدر ما يدور حول كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع من يصل إليها.

ومن هذا المنظور فإن السؤال في واشنطن لم يكن من سيكون المرشد القادم، بل كان سؤالا أكثر استراتيجية: هل سيقود المرشد الجديد إيران إلى مرحلة تصعيد جديدة… أم إلى مرحلة إعادة تعريف موقعها في النظام الدولي؟

في لحظات التحول الكبرى لا تختبر الدول قوتها في ساحات الحرب فقط، بل في قدرتها على إعادة إنتاج قيادتها. ومن خلال بوابة الخلافة القادمة كشفت إيران أي نظام ولد من قلب الجمهورية الإسلامية. لكن الحسابات الأمريكية ليست وحدها التي راقبت لحظة الخلافة في طهران. فهناك عاصمة أخرى تابعت هذا التحول بدقة أكبر وربما بقلق أكبر: تل أبيب. فبالنسبة لإسرائيل، لا يمثل المرشد الأعلى مجرد قائد سياسي في إيران، بل العقل الاستراتيجي الذي يقود البرنامج النووي ويمنح الشرعية العقائدية للمشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية ولهذا فإن السؤال حول خليفة علي خامنئي تحول في الحسابات الإسرائيلية إلى سؤال أمني من الدرجة الأولى.

Related posts

نتنياهو يعلن استعداده لصفقة تبادل جزئية

محمد بن محمود

بالتعاون مع مؤسسات وازنة كونكت الدولية تنظم اليوم الاقتصادي التونسي الفرنسي بليون

root

قطر تسعى لاتفاق بين إسرائيل وحماس لإطلاق سراح 50 محتجزا مقابل هدنة

محمد بن محمود

Leave a Comment