30.3 C
تونس
22 أبريل، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

ازمة الضمان الاجتماعي…بين حتمية الإصلاح و تفادي الانهيار

فتحت لجنة الصحة بالبرلمان ملف الضمان الاجتماعي و احييت اسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على الحفاظ على توازنها الاجتماعي في سياق اقتصادي ضاغط و على المحافظة على جوهر العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمواطن.

وبين رؤية حكومية تسعى الى اعادة الهيكلة وفق مقاربة تدريجية وبين مطالب نيابية تدعو الى وضوح الارقام والخيارات تتحدد ملامح معادلة دقيقة عنوانها اما الاصلاح او الانهيار.

اصلاح على مهل

و تطرح الحكومة تصورا يقوم على توسيع التغطية الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات وضمان استدامة الانظمة، و تبدو  هذه الاهداف في ظاهرها منسجمة مع الدستور ومع الالتزامات الدولية لكنها تصطدم بواقع مالي صعب يتسم بعجز سنوي يتراوح بين 2 و3 مليار دينار وبنسبة تغطية لا تتجاوز 60 بالمئة من الفئة النشيطة و يعكس هذا التباين بين الطموح والقدرة عمق الازمة ويطرح سؤالا مركزيا حول امكانية تحقيق اصلاح دون اعادة نظر شاملة في مصادر التمويل وفي طبيعة الانظمة نفسها.

و تكشف المعطيات المقدمة امام البرلمان ان الصعوبات ليست ظرفية بل هيكلية حيث ان  تغير المؤشرات الديمغرافية وتراجع نسب الخصوبة مقابل ارتفاع امل الحياة اديا الى اتساع قاعدة المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين، و في الوقت نفسه يتوسع الاقتصاد غير المنظم ليشمل ما بين 30 و40 بالمئة من النشاط الاقتصادي وهو ما يعني حرمان الصناديق من موارد مهمة، يضاف الى ذلك التهرب الاجتماعي وضعف استخلاص المساهمات وارتفاع كلفة الخدمات الصحية خاصة الادوية المستوردة في ظل تراجع قيمة العملة. هذه العوامل مجتمعة تخلق ضغطا متواصلا على التوازنات المالية وتجعل اي اصلاح جزئي غير قادر على معالجة الخلل.

في هذا السياق تبرز اشكالية الحوكمة كعنصر حاسم في مسار الاصلاح، اذ يساهم ضعف منظومة المراقبة وتداخل الهياكل وتعدد الانظمة  في تعقيد عملية التصرف ويحد من نجاعتها، و تتجه المقترحات الحكومية تتجه نحو اعادة هيكلة الهياكل وتعزيز الرقمنة وتحسين استخلاص الديون لكن هذه الاجراءات تبقى رهينة توفر معطيات دقيقة.

تمويل انظمة الضمان الاجتماعي مربط الفرس

ويبدو ان الاشكال الاكثر عمقا يتعلق بطبيعة النموذج المعتمد في تمويل الضمان الاجتماعي حيث يقوم النظام الحالي على مبدأ التضامن بين الاجيال حيث تمول مساهمات النشيطين جرايات المتقاعدين، و يفترض هذا النموذج توازنا ديمغرافيا واقتصاديا لم يعد قائما اليوم و تراجع فرص التشغيل واتساع العمل الهش يقلصان عدد المساهمين في حين تتزايد الالتزامات تجاه المتقاعدين و النتيجة هي عجز بنيوي لا يمكن معالجته فقط عبر الترفيع في نسب المساهمات او تعديل سن التقاعد.

ويعكس الجدل حول الخيارات المطروحة هذا التعقيد، اذ قد توفر فكرة توحيد الانظمة في هيكل واحد بعض النجاعة من حيث التسيير لكنها تطرح مخاطر تتعلق بتجميع العجز بدل معالجتهو في المقابل فان الابقاء على الهندسة الحالية مع ادخال اصلاحات تدريجية قد يطيل عمر المنظومة لكنه لا يضمن استدامتها على المدى البعيد، و بين هذين الخيارين يبرز توجه نحو حلول هجينة تقوم على فتح منافذ بين الانظمة حسب طبيعة الخدمات وهو ما يتطلب تصميما دقيقا لتفادي نقل الاختلالات من صندوق الى اخر.

ولا تقتصر المسألة على الجوانب المالية بل تمتد الى البعد الاجتماعي والسياسي، حيث يمثل الضمان الاجتماعي احد اعمدة الاستقرار الاجتماعي، و اي تراجع في قدرة الصناديق على دفع الجرايات او تمويل العلاج سينعكس مباشرة على فئات واسعة من المجتمع وقد يخلق توترات يصعب التحكم فيها، و لذلك فان الاصلاح لا يمكن ان يكون تقنيا صرفا بل يجب ان يندرج ضمن رؤية شاملة تعيد تعريف دور الدولة في المجال الاجتماعي.

و من جهة اخرى يفرض الواقع الاقتصادي قيوده على مسار الاصلاح حيث ان ضعف النمو وارتفاع البطالة يحدان من قدرة الدولة على تعبئة موارد اضافية، و في الوقت نفسه تزداد الحاجة الى الانفاق الاجتماعي لدعم الفئات الهشة و يجعل هذا التناقض من الضروري الربط بين اصلاح الضمان الاجتماعي واصلاح المنوال التنموي و توسيع قاعدة المساهمين يمر بالضرورة عبر خلق مواطن شغل لائقة وادماج القطاع غير المنظم في الدورة الاقتصادية.

والاشكال المطروح هنا هو كيف يمكن تحقيق هذا الادماج دون اثقال كاهل الفئات ذات الدخل غير المنتظم. المقاربة التقليدية القائمة على فرض نفس نسب المساهمة قد تدفع هذه الفئات الى مزيد من التهرب و لذلك يبرز توجه نحو اعتماد صيغ مرنة تراعي خصوصية هذه الفئات وهو ما يتطلب ابتكار ادوات جديدة للتمويل تتجاوز النموذج الكلاسيكي.

الحاجة الى اصلاح شامل

و تبدو الازمة في الجانب الصحي اكثر حدة، فمنظومة التامين على المرض تعاني من اختلال في تدفق الموارد بسبب تاخر تحويل المساهمات وهو ما يؤثر على كامل سلسلة التمويل من الصيدليات الى مزودي الخدمات، و  هذا الوضع يعكس هشاشة الترابط بين مختلف مكونات المنظومة ويبرز الحاجة الى اصلاح متكامل يشمل ليس فقط الصناديق بل ايضا القطاع الصحي ككل. تحسين اداء القطاع العمومي وتقليص الاعتماد على القطاع الخاص يمكن ان يخفف الكلفة لكن ذلك يتطلب استثمارات كبيرة وسياسات طويلة المدى.

و من زاوية اخرى يطرح النقاش مسالة العدالة بين الاجيال. تحميل الفئات النشيطة اعباء متزايدة لتمويل منظومة تعاني من اختلالات قد يضعف التزامها بالمساهمة، و  في المقابل المساس بحقوق المتقاعدين يمثل خيارا اجتماعيا وسياسيا مكلفا. التوازن بين هذين البعدين يفرض البحث عن حلول تضمن استدامة المنظومة دون التضحية بمبدئها التضامني.

و تظهر تجربة السنوات الماضية ان الحلول الظرفية لا تحقق النتائج المرجوة حيث ان الترفيع في سن التقاعد او في نسب المساهمات قد يوفر متنفسا مؤقتا لكنه لا يعالج جذور المشكلة و في بعض الحالات قد يؤدي الى نتائج عكسية من خلال تشجيع التقاعد المبكر او التهرب من التصريح و  لذلك فان الاصلاح الحقيقي يقتضي مقاربة شاملة تعيد النظر في هيكلة الانظمة وفي مصادر التمويل وفي علاقة الضمان الاجتماعي ببقية السياسات العمومية.

و تبين التجارب المقارنة ان اصلاح الضمان الاجتماعي يتطلب نفسا طويلا وارادة سياسية ثابتة حيث ان النجاح لا يقاس بتمرير القوانين فحسب بل بقدرة المنظومة على استعادة توازنها على المدى البعيد و في هذا الاطار يصبح التدرج في الاصلاح خيارا واقعيا لكنه يجب ان يكون مبنيا على رؤية واضحة وليس مجرد تاخير للمشاكل.

في حال استمرار الوضع الحالي دون اصلاح جذري فان السيناريوهات المحتملة تبدو مقلقة ذلك ان العجز الهيكلي قد يتحول الى عجز دائم يجعل الصناديق غير قادرة على الايفاء بالتزاماتها و هذا قد يؤدي الى تاخر صرف الجرايات او تقليص الخدمات الصحية وهو ما يهدد استقرار فئات واسعة و في الوقت نفسه قد تضطر الدولة الى ضخ موارد اضافية لانقاذ الصناديق على حساب الاستثمار والتنمية.

كما ان تراجع الثقة في المنظومة يمثل خطرا اخر لا يقل اهمية، فاذا فقد المواطنون الثقة في جدوى المساهمة فان ذلك سيؤدي الى تفاقم التهرب وتوسيع الاقتصاد غير المنظم وهو ما يعمق الازمة و كذلك قد تتسع الفجوة بين الاجيال مع شعور الفئات الشابة بانها تتحمل عبئا غير متوازن.

و بشكل عام يبدو ان ملف الضمان الاجتماعي يقف اليوم عند مفترق طرق و الخيارات المطروحة ليست سهلة وكل مسار يحمل كلفته ومخاطره لكن ما يبدو واضحا هو ان كلفة التاخير ستكون اعلى بكثير من كلفة الاصلاح.

Related posts

تعزيز التعاون بين تونس والمملكة المتحدة في مجالي التعليم العالي والبحث العلمي

رمزي أفضال

وزارة الصحة : 11 حالة وفاة و1170 تحليلا إيجابيا

root

اخر التطورات في قضية التآمر على أمن الدولة..

محمد بن محمود

Leave a Comment