لم يكن التعادل الذي حققه المنتخب المغربي أمام البرازيل في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026 مجرد نتيجة إيجابية، بل كان رسالة جديدة تؤكد أن ما حدث في مونديال قطر 2022 لم يكن صدفة عابرة أو مغامرة انتهت بانتهاء البطولة.
ويلاحظ المتابع لعالم الساحرة المستديرة ان الانجاز المغربي هو ثمرة مشروع رياضي متكامل ما زال ينتج أداء تنافسيا أمام أكبر مدارس كرة القدم في العالم.
لقددخل المنتخب المغربي المباراة بثقة كبيرة، ولم يكتف بالدفاع أمام المنتخب البرازيلي، بل بادر إلى التسجيل عن طريق إسماعيل صيباري في الدقيقة 21، قبل أن يعدل فينيسيوس جونيور النتيجة بعد ذلك بدقائق، لتنتهي المواجهة بالتعادل 1-1.
ويؤكد كل من شهد المباراة أن المغرب فرض شخصيته خلال فترات مهمة وأظهر تنظيما تكتيكيا وانضباطا لافتا أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجا بكأس العالم.
و اعاد هذا الأداء إلى الأذهان الإنجاز التاريخي الذي حققه “أسود الأطلس” في كأس العالم قطر 2022 عندما أصبحوا أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ الدور نصف النهائي، بعد إقصاء منتخبات كبرى مثل إسبانيا والبرتغال، قبل أن ينهوا البطولة في المركز الرابع، حيث لم يعد الحديث اليوم عن “مفاجأة مغربية”، بل عن مدرسة كروية تبني نفسها على أسس واضحة.
و إن أهم ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تعتمد على جيل موهوب فحسب، لأن الأجيال الموهوبة تظهر في كل البلدان، وإنما على منظومة عمل متكاملة، حيث استثمر المغرب خلال السنوات الماضية في البنية التحتية الرياضية، وأنشأ مراكز تكوين حديثة، وفي مقدمتها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي أصبحت تخرج لاعبين محترفين ينشطون في بطولات أوروبية مختلفة، كما عمل على تطوير مراكز التدريب والتأهيل الفني.
و استفادت الكرة المغربية ايضا من وجود عدد كبير من اللاعبين الذين تكونوا في مدارس أوروبية، مع نجاح الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في إقناع العديد منهم بتمثيل المنتخب الوطني. لكن العامل الحاسم كان القدرة على دمجها داخل مشروع جماعي يقوم على الانضباط والهوية التكتيكية الواضحة.
ومن المقومات المهمة أيضا الاستقرار الإداري، فالنجاح الرياضي لا يتحقق عادة مع كثرة التغييرات والقرارات المرتجلة، وإنما يحتاج إلى رؤية تمتد لسنوات، وإلى مؤسسات تعمل بمنطق التخطيط لا بمنطق ردود الأفعال. وقد استفادت الكرة المغربية من هذا الاستقرار في تطوير مسابقاتها المحلية، وتحسين مستوى التأطير الفني، وتوسيع قاعدة الممارسة بدليل ان انديتها اصبحت حاضرة بقوة في الأدوار النهائية في المسابقات الافريقية.
ولا يمكن إغفال الاستثمار الكبير الذي شهدته البنية التحتية الرياضية بالمغرب استعدادا لاحتضان تظاهرات قارية ودولية، إضافة إلى الاستعداد للمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وهو ما يعكس رؤية تتجاوز النتائج الآنية إلى بناء منظومة رياضية طويلة المدى.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة المغربية لبقية الدول العربية والإفريقية هو أن كرة القدم الحديثة أصبحت صناعة متكاملة وليست مجرد موهبة أو حماس جماهيري فالفوز على الكبار أو مجاراتهم يحتاج إلى تكوين اللاعبين منذ الصغر، وتأهيل المدربين، وتطوير البنية التحتية، وإدارة رياضية مستقرة، وربط المنتخبات الوطنية بمشروع استراتيجي واضح.
ولهذا فإن التعادل أمام البرازيل لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نقطة في جدول الترتيب فقط، بل هو ايضا مؤشرا جديدا على أن المغرب يملك مقومات تكرار إنجازاته الكبرى، وأن سيناريو قطر 2022 لم يعد يبدو استثناء مستحيلا، بل نتيجة طبيعية لمسار بدأ منذ سنوات ويواصل إعطاء ثماره.
وفي عالم كرة القدم، قد تختلف نتائج المباريات من يوم إلى آخر، لكن المشاريع الجادة وحدها هي التي تضمن الاستمرارية والتجربة المغربية تقدم اليوم نموذجا عربيا وإفريقيا يؤكد أن الاستثمار في التخطيط والتكوين والمؤسسات قادر على تقليص الفجوة مع كبار العالم، وهو ما يجعلها تجربة تستحق الاستلهام والدراسة أكثر من الاكتفاء بالإشادة بها.
previous post
