35.6 C
تونس
22 يونيو، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

مخطط التنمية…فرصة لبناء منوال تنمية جديد

صابر الحرشاني

 

تستعد بلادنا لدخول مرحلة جديدة من التخطيط التنموي مع اقتراب إحالة مشروع مخطط التنمية 2026 ـ 2030 إلى المؤسستين التشريعيتين لاستكمال مسار المصادقة.

ولا يتعلق الأمر هذه المرة بمجرد وثيقة تقنية أو برنامج حكومي يمتد على خمس سنوات، بل بمحطة مفصلية يفترض أن ترسم ملامح الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية للبلاد خلال الفترة القادمة.

وتكمن أهمية هذا المخطط في كونه جاء ثمرة مسار طويل انطلق من المستوى المحلي والجهوي والإقليمي قبل أن يبلغ مرحلة الصياغة الوطنية، وهو ما يمنحه خصوصية مختلفة عن التجارب السابقة. فالتنمية أصبحت عملية تشاركية يفترض أن تعكس حاجيات الجهات وتطلعات المواطنين وتستجيب في الوقت ذاته لأولويات الدولة ومقتضيات المرحلة الاقتصادية الراهنة.

وفي ظل التحديات المالية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، يبدو من الضروري أن لا ينحصر النقاش حول المخطط في حجم الاعتمادات أو عدد المشاريع المبرمجة فحسب، بل أن يمتد إلى طبيعة الرؤية التي يحملها وإلى قدرته على إحداث تغيير فعلي في حياة التونسيين.

 

تنمية تصنع الثروة 

 

و أحد أبرز الرهانات التي يفترض أن يتصدى لها مخطط التنمية القادم يتمثل في الانتقال من منطق إدارة الندرة إلى منطق خلق الثروة، فالتحدي الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد الوطني لا يتعلق بتوزيع الموارد المتاحة بين الجهات والقطاعات فحسب، وإنما بقدرته على توسيع قاعدة الإنتاج وخلق مصادر جديدة للنمو.

ولعل المطلوب اليوم هو توجيه الاستثمارات العمومية والخاصة نحو المجالات القادرة على إحداث قيمة مضافة مرتفعة وخلق مواطن شغل مستدامة، فالرهان لم يعد يقتصر على إنجاز البنية التحتية أو تحسين الخدمات الأساسية، على أهميتها، بل يشمل أيضا بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة وأكثر قدرة على استيعاب الطاقات الشابة.

وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى إعطاء الأولوية لسلاسل القيمة الجهوية، وربط الاستثمار بالخصوصيات الاقتصادية لكل جهة. فبعض المناطق تمتلك مؤهلات فلاحية واعدة، وأخرى تتمتع بإمكانات صناعية أو لوجستية أو سياحية كبيرة، وهو ما يستوجب اعتماد مقاربة تجعل من كل إقليم قطبا تنمويا قادرا على دفع النشاط الاقتصادي وخلق الثروة داخل محيطه.

كما أن دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة يجب أن يكون في صدارة الأولويات، باعتبارها المحرك الرئيسي للتشغيل ولخلق القيمة المضافة فالكثير من الصعوبات التي تواجه هذه المؤسسات لا ترتبط بالتمويل فقط، وإنما تتعلق أيضا بالنفاذ إلى الأسواق وبالتعقيدات الإدارية والتشريعية التي تعيق المبادرة والاستثمار.

ومن هنا، فإن أي مخطط تنموي ناجح ينبغي أن يتضمن إجراءات عملية لتسهيل الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة المؤسسات على النمو والتوسع والمنافسة.

 

العدالة المجالية من خلال التخطيط الذكي

 

و لقد أثبتت التجارب السابقة أن التنمية لا يمكن أن تكون ناجحة إذا بقيت الفوارق بين الجهات على حالها، ولذلك فإن أحد أهم انتظارات التونسيين من مخطط التنمية الجديد يتمثل في تكريس العدالة المجالية بصورة فعلية لا تقتصر على الشعارات.

ولا تعني العدالة المجالية توزيع المشاريع بشكل متساو بين جميع المناطق، وإنما تعني توجيه الموارد والاستثمارات وفق الحاجيات الحقيقية ومواطن القوة والضعف في كل جهة، فالتنمية الذكية هي التي تنطلق من تشخيص دقيق للواقع وتبني قراراتها على المعطيات والمؤشرات لا على الانطباعات.

وفي هذا السياق، تبدو أهمية اعتماد التخطيط المجالي الذي يربط بين مختلف القطاعات داخل الإقليم الواحد، ويخلق تكاملا بين البنية التحتية والاستثمار والخدمات والتكوين والتشغيل، فالمشاريع الكبرى لا تحقق أهدافها إذا بقيت معزولة عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي، كما أن التنمية لا تتحقق من خلال تدخلات متفرقة وغير مترابطة.

ويفترض أن يولي المخطط الجديد أهمية خاصة لتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين، سواء تعلق الأمر بالصحة أو النقل أو التعليم أو الخدمات الإدارية، فالتنمية في نهاية المطاف تقاس بمدى شعور المواطن بتحسن ظروف عيشه وبقدرته على النفاذ إلى الخدمات والفرص الاقتصادية داخل منطقته.

كما أن تعزيز الترابط بين الجهات وتحسين الربط اللوجستي والرقمي بينها يمثل أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق تنمية أكثر توازنا وأكثر نجاعة خلال السنوات القادمة.

 

من ثقافة الإنجاز إلى ثقافة التقييم

 

و إذا كانت تونس قد راكمت خلال العقود الماضية خبرة مهمة في مجال إعداد المخططات والبرامج، فإن التحدي الأكبر ظل دائما مرتبطا بمرحلة التنفيذ والمتابعة والتقييم.

وكثيرة هي المشاريع المعلنة لم تبلغ أهدافها كاملة، وبعضها عرف تأخيرا كبيرا أو تعثرا لأسباب متعددة، ولذلك فإن من أهم ما يجب أن يحمله مخطط التنمية الجديد هو إرساء ثقافة جديدة تقوم على المتابعة الدورية والتقييم المستمر.

وتكتسي مؤشرات الأداء في هذا المجال أهمية خاصة، لأنها تسمح بقياس مدى التقدم الحقيقي في تنفيذ المشاريع وتوفر أدوات موضوعية للحكم على النتائج بعيدا عن الخطابات العامة والانطباعات الشخصية.

كما أن إصدار تقارير دورية حول نسب الإنجاز ومدى التقدم في تحقيق الأهداف المرسومة من شأنه أن يعزز الشفافية ويرفع من مستوى الثقة في العمل العمومي فالتنمية هي بالاساس التزام بأهداف قابلة للقياس وبنتائج ملموسة يمكن متابعتها وتقييمها بصفة منتظمة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل محدودية الموارد المتاحة، حيث يصبح من الضروري التأكد من حسن توظيف كل دينار يتم إنفاقه ومن قدرته على تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المطلوب.

إن مخطط التنمية 2026 ـ 2030 يمثل فرصة مهمة لتجديد أدوات التخطيط العمومي في تونس، ولإرساء مقاربة أكثر ارتباطا بالجهات وأكثر استنادا إلى المعطيات والمؤشرات. كما أنه يشكل مناسبة لإعطاء دفعة جديدة للاقتصاد الوطني من خلال الاستثمار في القطاعات الواعدة وتعزيز العدالة المجالية وتحسين نجاعة العمل العمومي.

ويبقى المعيار الأهم في نهاية المطاف هو قدرة هذا المخطط على ترجمة الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فنجاح أي مخطط تنموي يبنى على قدرته على خلق الأمل وتحسين الواقع وتحويل التنمية من عنوان إلى واقع يلمسه التونسيون في مختلف الجهات والأقاليم.

 

Related posts

تسجيل فائض بقيمة 1،3 مليار دينار على مستوى الميزانية

Moufida Ayari

صفاقس: أصحاب المخابز يقترحون أثمان جديدة لبيع الخبز ..التفاصيل

root

استقرار في درجات الحرارة

صابر الحرشاني

Leave a Comment