44.1 C
تونس
23 أغسطس، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

تعاف بخطوات بطيئة: الفلاحة والسياحة تدفعان النمو والطاقة والصناعة تحت الضغط

صابر الحرشاني

تقدم أرقام النمو الاقتصادي خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 صورة متباينة لمسار الاقتصاد ، إذ تتجاور مؤشرات التعافي مع اختلالات هيكلية ما تزال تحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نسق نمو مستقر ومستدام.

وتكشف قراءة مكونات النمو أن قطاعات الفلاحة والخدمات والسياحة قادت التحسن المسجل، في وقت بقيت فيه الصناعة والطاقة والمناجم أمام تحديات ثقيلة.

وبحسب المعطيات الأولية للحسابات الوطنية الفصلية التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، سجل الاقتصاد التونسي نموا بنسبة 2.3% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 مقارنة بالثلاثي الثاني من سنة 2025. وتبرز تفاصيل هذه النتائج تفاوتا واضحا بين القطاعات، بما يجعل نسبة النمو الإجمالية بحاجة إلى قراءة أعمق تكشف مصادرها الفعلية ومدى قدرتها على الاستمرار.

الفلاحة… دفع ظرفي يحتاج إلى إصلاحات

وساهم القطاع الفلاحي بقوة في النمو المسجل، بعدما ارتفعت قيمته المضافة بنسبة 5.5%، بما أضاف 0.51 نقطة مئوية إلى النمو الإجمالي. ويعود هذا الأداء بدرجة كبيرة إلى الظروف المناخية الملائمة خلال الموسم الحالي وتحسن التساقطات، وهو ما منح الإنتاج الفلاحي دفعة مهمة.

وتطرح هذه الأرقام في المقابل سؤالا أساسيا يتعلق بتحويل التحسن الظرفي إلى مكسب دائم، فالإنتاجية الفلاحية تحتاج إلى معالجة جملة من الملفات المرتبطة بالعقار الفلاحي، وتشتت الملكية، وتعقيدات الوضعيات العقارية، إلى جانب الأراضي الاشتراكية والدولية.

كما تبرز الحاجة إلى رقمنة المعطيات العقارية وتطهير الوضعيات القانونية وتبسيط النصوص المنظمة للملكية واستغلال الأراضي. وتمثل هذه الملفات أحد المفاتيح الأساسية لتطوير الاستثمار الفلاحي، ورفع الإنتاجية، وتحسين قدرة القطاع على مواجهة التقلبات المناخية.

السياحة تستعيد موقعها في قاطرة النمو

كما واصل قطاع الخدمات أداءه الإيجابي، مسجلا نموا بنسبة 1.9% ومساهمًا بـ1.18 نقطة مئوية في النمو الإجمالي، وكان قطاع النزل والمطاعم والمقاهي من أبرز مكونات هذا التحسن، مع ارتفاع قيمته المضافة بنسبة 4.6%.

وتؤكد هذه النتائج قدرة السياحة على استعادة موقعها كأحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي ومصادر العملة الأجنبية. 

وتملك تونس مقومات مهمة لتطوير هذا القطاع، من بنية تحتية ومؤسسات تكوين وموارد بشرية مؤهلة وقرب جغرافي من الأسواق الأوروبية.

وتحتاج المرحلة المقبلة إلى توسيع المنتج السياحي وتنويع الأسواق واستقطاب شرائح جديدة من الزوار، مع تطوير السياحة الثقافية والصحية والبيئية والرياضية وسياحة المؤتمرات. ويمكن لهذا التنويع أن يمنح القطاع قدرة أكبر على خلق القيمة وتحسين المداخيل بالعملة الاجنبية.

وأظهرت قطاعات حديثة قدرة على تحقيق نسق نمو مشجع، إذ تطورت أنشطة الإعلامية والاتصال بنسبة 3.5%، فيما ارتفع نشاط النقل بنسبة 1.7%.

وتكشف هذه المؤشرات عن إمكانات متاحة أمام الاقتصاد التونسي في مجالات التكنولوجيا والخدمات الرقمية واللوجستيك.

ويمنح الاستثمار في هذه القطاعات فرصة لرفع الإنتاجية وتحسين تنافسية المؤسسات وربط الاقتصاد التونسي بصورة أكبر بسلاسل القيمة الإقليمية والدولية.

الصناعة… طاقات كبيرة ونسق نمو محدود

و تظهر الصناعة في موقع أكثر هشاشة ضمن معادلة النمو، بعدما بلغ تطورها 0.3% خلال الثلاثي الثاني، حيث سجلت الصناعات المعملية نموا بنسبة 0.9%، مدفوعة خصوصا بالصناعات الفلاحية والغذائية التي تطورت بنسبة 2.1%، والصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 1.6%.

في المقابل، واصلت قطاعات صناعية مهمة مثل النسيج والجلود والأحذية مواجهة صعوبات تؤثر في قدرتها على التوسع. وتملك تونس قاعدة صناعية مهمة وموارد بشرية مختصة وموقعا قريبا من الأسواق الأوروبية، وهي عناصر تمنحها قدرة على جذب استثمارات جديدة وتطوير الصادرات.

وتفرض التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي إعادة التفكير في موقع الصناعة التونسية ضمن سلاسل الإنتاج الدولية، خصوصا مع إعادة توزيع الاستثمارات وتغير مسارات التوريد. ويمكن لهذه التحولات أن تفتح فرصا جديدة أمام تونس في مجالات الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومكونات السيارات والصناعات الغذائية والنسيج وغيرها من الأنشطة التصديرية.

الطاقة والمناجم… نقطة الضغط الأكبر

ويبرز قطاع الطاقة والمناجم باعتباره من أكثر مكونات الاقتصاد حاجة إلى التدخل، بعدما تراجعت قيمته المضافة بنسبة 1.7%. وسجل نشاط المناجم انخفاضا حادا بلغ 9.6%، فيما تراجعت أنشطة استخراج النفط والغاز الطبيعي بنسبة 1.1%.

وتعكس هذه الأرقام مسارا تراكميا يؤثر في قدرة الاقتصاد على توفير موارده الطاقية والمنجمية وفي إمكانات التصدير. كما ينعكس تراجع الإنتاج في هذا القطاع على الميزان التجاري وعلى الحاجة إلى توريد الطاقة.

ويحتاج قطاع الفسفاط والمناجم إلى خطة متكاملة تعالج الإنتاجية، وتجدد وسائل العمل، وتحسن الحوكمة، وتعيد بناء القدرة التصديرية. كما تحتاج أنشطة النفط والغاز إلى رؤية طويلة المدى تقوم على تطوير الإنتاج واستثمار الموارد المتاحة واستقطاب الاستثمار في الاستكشاف والطاقة.

كما تكشف معطيات النمو عن مفارقة أخرى تتمثل في ارتفاع الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 10.4%، بالتزامن مع زيادة الواردات بنسبة 11.2%. وقد أدى عجز المبادلات الخارجية إلى خصم 1.33 نقطة مئوية من النمو الإجمالي.

ويكشف هذا الفارق عن الحاجة إلى رفع القيمة المضافة للصادرات وتحسين القدرة التنافسية للمؤسسات التونسية. كما يتطلب التعامل مع الواردات مقاربة دقيقة تميز بين التوريد الاستهلاكي والتوريد الضروري للإنتاج، خصوصا المواد الأولية والتجهيزات ومدخلات الصناعة.

وتبقى القدرة على التصدير هي المدخل الأكثر فاعلية لمعالجة الاختلال الخارجي على المدى المتوسط والطويل. وكلما ارتفعت حصة المنتجات ذات القيمة المضافة المرتفعة في الصادرات، تحسن أثر النشاط الخارجي على النمو وعلى موارد البلاد من العملة الأجنبية.

وقد ارتفع الطلب الداخلي بنسبة 3.3% خلال الفترة، وساهم بـ3.61 نقاط مئوية في النمو الإجمالي، مدفوعا بتطور الاستهلاك والاستثمار.

ويمثل تحسن الطلب الداخلي مؤشرا إيجابيا على النشاط الاقتصادي، غير أن استمراره يرتبط بقدرة الاقتصاد على خلق الدخل وفرص العمل وتحسين الإنتاجية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من نمو تدفعه الحركة الاستهلاكية إلى نمو يقوم بدرجة أكبر على الاستثمار والإنتاج والتصدير.

التعافي موجود… والإقلاع يحتاج سياسة

وتكشف نتائج الثلاثي الثاني من سنة 2026 عن اقتصاد بدأ يستعيد نسق النشاط، مدفوعا أساسا بالفلاحة والسياحة والخدمات، في وقت تواجه فيه الصناعة والطاقة والمناجم تحديات عميقة.

وتملك بلادنا مقومات حقيقية لدفع النمو، من موقع جغرافي استراتيجي وقرب من الأسواق الأوروبية وموارد بشرية مؤهلة وقاعدة صناعية وخدماتية قابلة للتطوير. وتحتاج هذه المقومات إلى خطة اقتصادية متكاملة تربط بين الإصلاحات الهيكلية والاستثمار والإنتاج والتصدير والطاقة واللوجستيك.

المطلوب اليوم هو تحويل المؤشرات الإيجابية إلى مسار مستدام، عبر رفع الإنتاجية وتطوير الصناعة ودعم الفلاحة وتنويع السياحة وإعادة بناء قطاعات الطاقة والمناجم وتعزيز القدرة التصديرية. عندها يمكن أن يتحول التعافي من تحسن ظرفي إلى مسار اقتصادي أكثر قوة واستقرارا.

Related posts

المخطط التوجيهي للتنقل الحضري

Mohamed mabrouk Sallami

الحماية المدنية تخمد 5532 حريقا خلال شهر جويلية

صابر الحرشاني

حصاد زيارة ترامب: استقرار في العلاقات و جمود في الملفات المهمة

صابر الحرشاني

Leave a Comment