تسجل أسعار السكر العالمية ارتفاعاً لافتاً خلال الأيام الأخيرة، مع بلوغ العقود الآجلة للسكر الخام في بورصة «إنتركونتننتال» أعلى مستوياتها في أكثر من عام، وسط مخاوف متزايدة بشأن الإمدادات العالمية وتداعيات التطورات المناخية على المحاصيل، بالتوازي مع عودة الهند إلى سوق الاستيراد لتأمين حاجياتها.
وارتفع سعر السكر الخام، أمس الخميس، بنسبة 1.65 بالمائة ليصل إلى 17.84 سنتاً للرطل، بعدما بلغ خلال التعاملات 17.99 سنتاً، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عام. كما صعدت أسعار السكر الأبيض بنسبة 2 بالمائة إلى 552.90 دولاراً للطن، بعد أن لامست 564.40 دولاراً، وهو أعلى مستوى لها منذ مارس 2025.
ويأتي هذا الصعود في سوق تشهد منذ أشهر حالة من الترقب بشأن تطور الإنتاج العالمي، مع تراجع المخزونات واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وتشير بيانات الديوان التونسي للتجارة إلى تسجيل عجز عالمي يقدر بنحو 4.9 ملايين طن خلال موسم 2024-2025، بالتوازي مع انخفاض المخزونات النهائية ونسبة المخزون إلى الاستهلاك.
وتضيف التطورات المناخية عاملاً جديداً إلى هذه المعادلة، مع تنامي المخاوف من تأثير ظاهرة «النينيو» في إنتاج قصب السكر بعدد من المناطق الرئيسية المنتجة. وتشير التوقعات المناخية الحالية إلى إمكانية اشتداد الظاهرة خلال الأشهر المقبلة، بما قد يغير أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم، مع انعكاسات محتملة على إنتاج السكر في الهند وتايلاند والبرازيل.
وتحظى الهند باهتمام خاص في السوق العالمية، باعتبارها من أكبر منتجي ومستهلكي السكر. فقد ارتفعت أسعار السكر في السوق الهندية بنحو 40 بالمائة خلال شهرين نتيجة تراجع الإمدادات، ما دفع نيودلهي إلى السماح باستيراد مليون طن من السكر الخام دون رسوم جمركية إلى غاية نهاية أكتوبر المقبل. وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات اعتمدت خلالها الهند بدرجة كبيرة على إنتاجها المحلي، لتتحول بذلك إلى مشترٍ إضافي في السوق الدولية. ومن المنتظر أن تكون البرازيل، أكبر مصدر للسكر في العالم، من أبرز مصادر الكميات التي ستوردها الهند.
ويضيف دخول الهند بقوة إلى سوق الاستيراد ضغطاً جديداً على تجارة السكر الدولية، في وقت تتجه فيه الأسواق إلى مراقبة تأثيرات الطقس على المحاصيل المقبلة. كما أن احتمال تراجع الإنتاج في بعض المناطق المنتجة قد يدفع الدول المستوردة إلى تعزيز مشترياتها وتأمين مخزوناتها تحسباً لأي اضطراب في الإمدادات.
وتبرز هذه التطورات في تونس في ظرف حساس بالنسبة إلى مادة السكر، التي شهدت السوق المحلية اضطرابات متكررة في التزويد خلال الفترة الماضية. ويتولى الديوان التونسي للتجارة تأمين حاجيات البلاد من السكر الأبيض والبني عبر التوريد، إلى جانب توزيع المادة على السوق المحلية وللقطاع الصناعي.
وكانت السوق التونسية قد شهدت خلال مارس الماضي اضطراباً في توفر السكر، قبل وصول كميات موردة قدرت بنحو 100 ألف طن، تم ضخها تدريجياً لاستعادة نسق التزويد. وارتبطت تلك الفترة أيضاً بتأخر وصول شحنات إلى تونس نتيجة ظروف مناخية أثرت في حركة النقل البحري.
وفي فيفري الماضي، استأنفت مصفاة السكر بباجة نشاطها بعد توقف دام أشهراً، في خطوة استهدفت دعم قدرات البلاد على تأمين حاجيات السوق والحد من هشاشة منظومة التزويد.
ويأتي الارتفاع الحالي في الأسعار العالمية ليضع منظومة تأمين السكر في تونس أمام ظرف دولي أكثر تعقيداً، خاصة أن البلاد تعتمد على السوق الخارجية لتغطية جزء أساسي من حاجياتها. فكلما ارتفعت المنافسة الدولية على الكميات المتاحة، ازدادت أهمية توقيت التوريد وانتظام وصول الشحنات وتوفر مخزونات قادرة على تغطية حاجيات السوق خلال فترات ارتفاع الطلب.
وتزداد أهمية هذه العوامل بالنسبة إلى تونس في ظل اعتمادها على سوق عالمية شديدة الحساسية لتغيرات الإنتاج والمناخ وحركة التجارة الدولية. ويشير الديوان التونسي للتجارة إلى أن كميات السكر الموردة تتغير من سنة إلى أخرى وفق تطور الأسعار العالمية وحجم العرض والطلب، وهو ما يجعل التحولات الحالية في السوق الدولية ذات صلة مباشرة بمنظومة تأمين المادة في تونس.
وفي الوقت الراهن، تتركز المؤشرات الأساسية في ثلاثة اتجاهات متزامنة: ارتفاع أسعار السكر العالمية، عودة الهند إلى الاستيراد بكميات كبيرة، وتنامي المخاوف بشأن إنتاج الموسم المقبل بفعل التطورات المناخية. وفي تونس، تتقاطع هذه العوامل مع سوق عرفت خلال السنة الحالية اضطرابات في التزويد، ومع جهود رسمية لتعزيز المخزون واستعادة نسق الإنتاج المحلي.
وبقدر ما ستتحدد حركة الأسعار العالمية خلال الأشهر المقبلة وفق حجم المحاصيل الجديدة وتطور الطلب الهندي، ستبقى انتظامية التزويد في تونس مرتبطة بقدرة منظومة التوريد على تأمين الكميات المطلوبة في مواعيدها. وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع اقتراب الفترات التي يرتفع فيها استهلاك السكر، خصوصاً في الصناعات الغذائية والاستهلاك العائلي.
وتجعل هذه المعطيات سوق السكر واحدة من المواد التي تستوجب متابعة دقيقة خلال الفترة المقبلة، في ظل سوق عالمية تتحرك أسعارها صعوداً، ومخاوف من تقلص الإمدادات، وعودة كبار المستهلكين إلى المنافسة على الكميات المتاحة.
