32.2 C
تونس
20 أغسطس، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

إنقاذ النسيج… معركة الصناعة والشغل والسيادة الاقتصادية

صابر الحرشاني

يواجه قطاع النسيج والملابس في تونس تحديا مصيريا يتجاوز حدود المصانع وأرقام التصدير، ليضع مستقبل الصناعة الوطنية وقدرة الاقتصاد على الحفاظ على موارده الإنتاجية أمام اختبار حقيقي.

وهذا القطاع الذي رافق مسيرة الاقتصاد التونسي لأكثر من سبعين عاما، لم يكن مجرد نشاط صناعي موجه أساسا إلى الأسواق الخارجية، بل أصبح جزءا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي لعدد من الجهات، ومصدرا مباشرا وغير مباشر لرزق عشرات الآلاف من العائلات.

ومن هنا، فإن إنقاذ قطاع النسيج والملابس يحتاج إلى سياسة متكاملة تعيد للقطاع قدرته على المنافسة، وتمنح المستثمر رؤية واضحة، وتربط بين حاجيات التصدير ومتطلبات السوق الداخلية والتحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الملابس عالميا.

قطاع استراتيجي أمام اختبار البقاء

أثبت النسيج والملابس على امتداد عقود قدرته على توفير مواطن الشغل وجلب العملة الصعبة وربط الاقتصاد التونسي بالأسواق الأوروبية، وهو ما يجعل تراجع هذا النشاط أكثر من مجرد خسارة اقتصادية لمؤسسة أو مجموعة من المؤسسات. فكل مصنع يغلق أبوابه يترك وراءه سلسلة من التداعيات تبدأ بفقدان مواطن الشغل ولا تنتهي عند تراجع مداخيل الأسر والأنشطة التجارية والخدماتية المحيطة به.

ويؤكد خبراء اقتصاد ومهنيون أن تونس مازالت تمتلك عناصر تسمح لها بالحفاظ على موقعها في سوق النسيج العالمي، من بينها القرب الجغرافي من أوروبا، والخبرة المتراكمة لدى اليد العاملة، ووجود قاعدة صناعية متخصصة، فضلا عن قدرة المؤسسات التونسية على الاستجابة لطلبات الأسواق القريبة بسرعة أكبر مقارنة بمنافسين آسيويين أبعد جغرافيا.

غير أن هذه المزايا لم تعد كافية بمفردها. فالمنافسة العالمية تغيرت، وكلفة الإنتاج أصبحت عاملا حاسما، والأسواق الأوروبية نفسها تتجه نحو منتجات أكثر استدامة وأقصر في آجال التسليم وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا. وبالتالي فإن المحافظة على موقع تونس تتطلب الانتقال من نموذج يقوم أساسا على اليد العاملة والكلفة إلى نموذج يراهن أيضا على الجودة والتصميم والسرعة والابتكار والقيمة المضافة.

وفي هذا السياق، تبرز مطالب المهنيين التي تركز على مجموعة من الملفات، وفي مقدمتها الاستقرار الجبائي، والتكوين المهني، واللوجستيك، وإعادة التدوير، وتطوير المعدات، ومراجعة بعض الإجراءات الإدارية والجمركية.

ويعتبر الاستقرار الجبائي من أكثر النقاط حساسية بالنسبة إلى المستثمرين. فالمؤسسة الصناعية تحتاج إلى التخطيط لسنوات وليس لأشهر، ولا يمكنها اتخاذ قرارات تتعلق بالتجهيز والتوسع والتشغيل إذا كانت القواعد الجبائية والتنظيمية عرضة للتغيير المستمر.

ولذلك، فإن توفير إطار جبائي مستقر وواضح لا يعني بالضرورة منح امتيازات مفتوحة للمؤسسات، وإنما يعني أساسا تمكينها من معرفة كلفة الاستثمار وشروطه مسبقا. فكلما ارتفعت درجة اليقين، أصبح اتخاذ قرار التوسع أو تجديد المعدات أو بعث خطوط إنتاج جديدة أكثر سهولة.

وتتصل هذه المسألة أيضا بقدرة تونس على جذب استثمارات أجنبية جديدة. فالمستثمر الدولي يقارن بين عدة وجهات، ولا ينظر فقط إلى الأجور والحوافز، بل يهتم كذلك باستقرار التشريعات وسرعة الإجراءات وتوفر اليد العاملة والخدمات اللوجستية وإمكانية نقل المنتجات في آجال قصيرة.

من التكوين إلى إعادة التدوير

يمثل التكوين المهني حلقة أخرى لا تقل أهمية. فالمصانع الحديثة لم تعد تحتاج فقط إلى عمال قادرين على تشغيل الآلات التقليدية، بل إلى كفاءات تتعامل مع معدات رقمية، وبرمجيات التصميم، وأنظمة الإنتاج المؤتمتة، ومراقبة الجودة، وإدارة الطاقة والمواد.

وقد أصبح التحول الرقمي يعيد تشكيل قطاع الملابس في العالم، من التصميم ثلاثي الأبعاد إلى تحليل الطلب، مرورا بالذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج وتقليص الهدر في المواد. وإذا لم تواكب منظومة التكوين هذه التحولات، فإن الفجوة بين حاجيات المصانع وما توفره سوق الشغل ستتسع، حتى في ظل وجود آلاف الباحثين عن العمل.

لذلك، فإن إصلاح التكوين المهني يجب أن يكون جزءا من استراتيجية الصناعة نفسها، من خلال إشراك المؤسسات في تحديد الاختصاصات المطلوبة، وتحديث المعدات داخل مراكز التكوين، وتوسيع التدريب التطبيقي، وربط التخرج بالحاجيات الفعلية للمصانع.

ومن المقترحات المطروحة أيضا إحداث صندوق وطني للنسيج والملابس، تكون مهمته توفير آليات تمويل تساعد المؤسسات على تجاوز الأزمات الدورية وتجديد معداتها وتحسين قدرتها التنافسية. ويمكن لمثل هذا الصندوق، إذا تم تصميمه على أسس واضحة، أن يتحول من مجرد آلية دعم إلى أداة لمرافقة التحول الصناعي، خصوصا بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تجد صعوبة في تمويل الاستثمارات الكبرى.

ويبرز ملف إعادة التدوير كفرصة أخرى يمكن أن تفتح أمام القطاع مجالا جديدا للنمو. فالنفايات النسيجية التي تمثل في السابق عبئا بيئيا يمكن تحويلها إلى مواد أولية أو منتجات جديدة، بما يخلق نشاطا اقتصاديا مكملا للصناعة التقليدية.

وتكتسب مشاريع إعادة تدوير النسيج، ومنها مشروع محطة إعادة التدوير في المنستير، أهمية خاصة لأنها تتقاطع مع التحولات التي يشهدها السوق الأوروبي، حيث أصبحت الاستدامة والاقتصاد الدائري جزءا من شروط المنافسة في عدد متزايد من الأسواق.

وهنا يمكن لتونس أن تحول موقعها الجغرافي وقربها من أوروبا إلى ميزة إضافية، من خلال تطوير صناعة نسيج أكثر قدرة على إعادة استخدام المواد وتقليص النفايات واستهلاك المياه والطاقة. لكن نجاح هذا المسار يتطلب مراجعة النصوص التي تعطل جمع ونقل وتثمين النفايات النسيجية، فضلا عن تبسيط الإجراءات أمام المستثمرين في هذا المجال.

ولا يمكن الحديث عن تنافسية القطاع من دون التوقف عند الخدمات اللوجستية. فالمؤسسة التي تحتاج إلى وقت طويل للحصول على ترخيص أو لإتمام إجراء جمركي قد تفقد طلبية أو تتأخر في تسليمها، وهو أمر بالغ الخطورة في صناعة تقوم على السرعة والالتزام بمواعيد التسليم.

كما أن تحسين النقل العمومي نحو المناطق الصناعية يمثل جزءا من السياسة الصناعية، وليس مجرد مسألة اجتماعية. فانتظام وصول العمال إلى مواقع الإنتاج ينعكس مباشرة على استقرار المصانع ومردوديتها، كما أن تقليص كلفة النقل يخفف الأعباء عن العامل والمؤسسة في الوقت نفسه.

أما على مستوى السوق الداخلية، فقد طالبت الجامعة التونسية للنسيج بتوجيه المزايا الجبائية نحو المنتجين المحليين بدل أن يستفيد منها المستوردون، وهو مطلب يعكس الإشكال الأوسع المتعلق بالتوازن بين حماية الإنتاج الوطني والانفتاح التجاري.

فالمؤسسة التونسية مطالبة بالمنافسة في سوق مفتوحة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد تضمن منافسة عادلة. ولا يتعلق الأمر بإغلاق السوق أمام المنتجات الأجنبية، وإنما بتوفير شروط تمنع الإضرار غير العادل بالمنتج المحلي، وتشجع المؤسسات التونسية على الاستثمار والتجديد بدل دفعها إلى تقليص نشاطها.

صادرات ترتفع.. لكن الخطر لم ينته

ورغم الصعوبات، فإن مؤشرات التصدير تؤكد أن القطاع لم يفقد قدرته على النمو. فقد أعلن وزير الاقتصاد والتخطيط أن صادرات قطاع النسيج والملابس خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2025 ارتفعت بنسبة 2.61 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، لتبلغ نحو 3942 مليون دينار، أي ما يعادل حوالي 1178 مليون أورو، مع توقعات بإمكانية بلوغ 9365 مليون دينار مع نهاية السنة.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة تستحق التوقف عندها: قطاع يواجه ضغوطا متعددة، لكنه مازال قادرا على تحقيق نمو في صادراته. وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بقدر ما تكمن في ضرورة توفير الظروف التي تسمح لهذه الإمكانات بالاستمرار والتحول إلى نمو مستدام.

كما أن المحافظة على الأسواق التقليدية، وخاصة الأوروبية، يجب أن تترافق مع البحث عن أسواق جديدة، وعدم حصر مستقبل القطاع في عدد محدود من الوجهات. وتنويع الأسواق يمكن أن يقلل من المخاطر المرتبطة بالتقلبات الاقتصادية في بلد أو منطقة واحدة، ويمنح المؤسسات هامشا أكبر للتحرك.

وفي المقابل، تحتاج تونس إلى تشجيع المؤسسات على الانتقال تدريجيا من المناولة البسيطة إلى إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. فالمؤسسة التي تكتفي بتنفيذ طلبات لحساب علامة أجنبية تبقى مرتبطة بقرارات الطرف الآخر، بينما يمنح تطوير التصميم والعلامة التجارية والمنتج الخاص للمؤسسات التونسية قدرة أكبر على التحكم في السوق والأسعار.

وهذا التحول يحتاج إلى تمويل وخبرة وتسويق وتكوين، لكنه قد يكون أحد المفاتيح الأساسية لمستقبل القطاع. فالمنافسة على كلفة اليد العاملة وحدها مع دول أخرى تملك كلفة أقل لن تكون استراتيجية قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

 كإحدى ركائز الصناعة التونسية.

أما ترك القطاع يواجه مشكلاته مؤسسة بعد أخرى، فلن يؤدي فقط إلى فقدان مصانع ومواطن شغل، بل إلى تآكل خبرة صناعية تراكمت على مدى عقود. ولذلك فإن المعركة من أجل النسيج ليست دفاعا عن قطاع اقتصادي فحسب، وإنما هي معركة من أجل الشغل، والإنتاج، والتصدير، والقدرة على التصنيع، وجزء من السيادة الاقتصادية لتونس.

Related posts

في استطلاع للقناة الإسرائيلية 12: 18% فقط من الإسرائيليين يرون فوزا بالحرب على إيران و54% يريدون مهاجمة بيروت

صابر الحرشاني

10 دول عربية أقل سعرا للبنزين عالميا.. فهل تونس من بينها؟

Rahma Khmissi

تلاميذ معهد عاطف الشايب يرفضون الالتحاق بالدراسة

صابر الحرشاني

Leave a Comment