صابر الحرشاني
تثير حالة النقص المسجلة حاليا في الدجاج تساؤلات واسعة لدى المستهلكين، خاصة مع صعوبة العثور على الكميات المعتادة في بعض نقاط البيع وتراجع الإنتاج خلال الفترة الأخيرة.
وبينما يتحدث البعض عن “أزمة دجاج” وعن احتمال استمرارها لفترة طويلة، تشير المعطيات المتوفرة لدى الهياكل المهنية ووزارة الفلاحة إلى وضع مختلف نسبيا مؤكدين ان السوق تعاني بالفعل من نقص في التزويد، لكن أسبابه مرتبطة أساسا بظروف استثنائية شهدها قطاع الدواجن خلال صيف 2026، ولا توجد، وفق التصريحات الرسمية والمهنية الأخيرة، مؤشرات على أزمة دائمة في توفير اللحوم البيضاء.
موجة الحر وراء الازمة
وتعود بداية المشكلة إلى شهري جويلية وأوت، عندما واجهت بلادنا موجات حرارة استثنائية تزامنت مع انقطاعات متكررة ومطولة للكهرباء.
وقد كان لهذا التزامن أثر مباشر على المداجن، خصوصا تلك الصغيرة والمتوسطة التي لا تتوفر على تجهيزات احتياطية كافية لضمان استمرار التهوئة والتبريد.
ومن المعلوم ان الدجاج، على خلاف بعض الحيوانات الأخرى، شديد التأثر بارتفاع درجات الحرارة. ولذلك تعتمد المداجن الحديثة على أنظمة للتهوئة والتبريد تعمل بصورة متواصلة، خصوصا خلال فترات الذروة، وعندما تنقطع الكهرباء في ظل درجات حرارة مرتفعة، لا يتوقف نظام التبريد فقط، وإنما تتعرض الطيور إلى إجهاد حراري يمكن أن يؤدي إلى النفوق أو إلى تراجع النمو والإنتاج.
وكانت الإدارة العامة للمصالح البيطرية قد حذرت منذ جويلية من مخاطر الإجهاد الحراري على الدواجن، ودعت المربين إلى ضمان التهوئة والتبريد وتوفير المياه، كما أوصت بالاستعداد لانقطاعات الكهرباء عبر تجهيز المولدات الاحتياطية وضمان توفر الوقود. وهو ما يؤكد أن العامل المناخي والكهربائي لم يكن ظرفا ثانويا، وإنما أصبح عنصرا مؤثرا مباشرة في القدرة على الحفاظ على الإنتاج.
ومع تكرر هذه الظروف خلال الصيف، سجل عدد من المربين خسائر في قطعانهم.
وقد شملت الأضرار بدرجات متفاوتة عددا من مناطق الإنتاج، من بينها نابل وزغوان، حيث توجد كثافة مهمة من المداجن.
و قد أعلنت وزارة الفلاحة، عبر المجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب، عن عملية لحصر الخسائر المسجلة خلال الصيف، تشمل نسب النفوق وتراجع الإنتاج وتأخر النمو والتأثيرات التي طالت المردودية والخصوبة في مختلف حلقات القطاع.
وفي المهدية، على سبيل المثال، كشفت تقديرات نفوق ما بين 150 و200 ألف طير خلال شهر جويلية بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء، بما يمثل، وفق المعطيات الجهوية، ما بين 30 و40 بالمائة من القطيع في نحو 200 مدجنة. ولا يمكن تعميم هذه الأرقام على كامل البلاد، لكنها تعطي فكرة عن حجم الأضرار التي لحقت ببعض مناطق الإنتاج.
هذه الخسائر انعكست بصورة طبيعية على الكميات التي تصل إلى السوق، فقد أكد رئيس الغرفة الوطنية لتجار الدواجن واللحوم البيضاء إبراهيم النفزاوي، مؤخرا أن الإنتاج الشهري من لحوم الدواجن تراجع من حوالي 16 ألف طن إلى نحو 11 ألف طن، أي بفارق يقارب 5 آلاف طن. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الوضع لا يرتقي إلى مستوى أزمة كبرى في التزويد، وهنا تكمن إحدى النقاط المهمة لفهم الوضع الحالي حيث ان النقص الموجود حقيقي، لكنه لا يعني أن منظومة الدواجن توقفت عن الإنتاج أو أن البلاد تواجه فقدانا شاملا للدجاج حيث ما يحدث هو انخفاض في حجم العرض في فترة يرتفع فيها الطلب عادة، وهو ما يجعل النقص أكثر وضوحا لدى المستهلك، فالعودة المدرسية والجامعية واستئناف النشاط الاقتصادي بنظام الحصتين يرفعان الطلب على الأكل خارج المنزل وعلى المواد الغذائية الجاهزة، في وقت دخل فيه قطاع الدواجن سبتمبر وهو يعاني أصلا من آثار خسائر الصيف. ولهذا تحدثت وزارة الفلاحة عن احتمال استمرار شيء من الضغط على التزويد خلال شهر سبتمبر.
وضع متباين
كما أن الوضع ليس متطابقا في جميع الجهات. ففي الوقت الذي سجلت فيه مناطق إنتاجية أخرى صعوبات واضحة، أكدت السلطات الجهوية في سوسة، في جلسة عمل انعقدت يوم 3 سبتمبر، أن نسق الإنتاج في الجهة مستقر وأن الكميات المتوفرة تكفي لتلبية حاجيات السوق مع ضمان انتظام التزويد خلال الفترة المقبلة، وهذا يعني أن صورة السوق الوطنية ليست موحدة، وأن حجم النقص يختلف من منطقة إلى أخرى ومن منتج إلى آخر.
أما بالنسبة إلى الأسعار، فقد أدى تراجع العرض إلى زيادة الضغط على السوق، لكن السعر لا يتحدد فقط بعلاقة العرض والطلب. فقد تدخلت الدولة خلال الفترة الأخيرة عبر آليات تسقيف الأسعار وهوامش الربح في قطاع الدواجن، في إطار سياسة تهدف إلى حماية القدرة الشرائية وتنظيم مسالك التوزيع.
وقد أشار رئيس غرفة تجار الدواجن إلى أن سعر بيع الدجاج للمستهلك بلغ 8.950 دنانير للكيلوغرام، في حين قدر سعره لدى المزودين بنحو 7.900 دنانير. وتبقى متابعة الأسعار الفعلية مرتبطة أيضا بمكان البيع وبنوع المنتج وبالمرحلة التي يوجد فيها داخل مسلك التوزيع.
موعد نهاية الازمة
و تشير المعطيات الرسمية المتوفرة حاليا إلى أن شهر أكتوبر يمثل موعدا مرجحا لعودة التزويد إلى نسقه العادي، لكن بصورة تدريجية، فقد أكدت سلوى الذوادي، كاهية مدير إنتاج اللحوم بالإدارة العامة للإنتاج الفلاحي بوزارة الفلاحة، أن السوق قد تشهد ضغطا خلال سبتمبر، متوقعة عودة التزويد إلى نسقه العادي خلال أكتوبر.
كما أكد المجمع المهني المشترك أن الوزارة تعمل على تعديل الإنتاج استنادا إلى نتائج عملية حصر الخسائر.
وتعتمد إمكانية تحقيق هذا التحسن على قدرة المربين على إعادة تكوين القطيع واستعادة نسق الإنتاج بعد الخسائر المسجلة خلال الصيف، فالدجاج الذي يصل إلى السوق اليوم ليس نتاج قرار فوري بزيادة الإنتاج، وإنما هو نتيجة دورة إنتاج تحتاج إلى وقت. وبالتالي فإن الخسائر التي وقعت في جويلية وأوت لا يمكن تعويضها بين ليلة وضحاها، وهو ما يفسر استمرار آثارها خلال سبتمبر.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الفلاحة عن إجراءات لتعديل الإنتاج، من بينها التوجه إلى توريد شحنات من بيض التفقيس بهدف دعم الإنتاج خلال شهري نوفمبر وديسمبر.
لكن الأزمة كشفت في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق داخل القطاع، تتعلق بمدى قدرة المداجن، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، على مواجهة الظروف الاستثنائية. فارتفاع درجات الحرارة في حد ذاته يمكن التعامل معه إلى حد ما عبر التبريد والتهوئة، لكن انقطاع الكهرباء لفترات طويلة يجعل هذه التجهيزات عديمة الفائدة إذا لم تتوفر مولدات احتياطية قادرة على العمل باستمرار.
previous post
