30.1 C
تونس
21 سبتمبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

المكيفات في تونس…معركة الكهرباء تبدأ من جهاز التبريد


صابر الحرشاني
تبدو بلادنا أمام واقع جديد فرضته الحرارة وارتفاع الطلب على التبريد المكيفات حيث يجري الاشتغال على التوجه نحو جيل جديد من أجهزة التكييف لا يتعلق فقط بتغيير نوع المكيف، وإنما بإعادة النظر في الطريقة التي تستهلك بها تونس الطاقة خلال أشهر الصيف.
و أعلنت وزارة البيئة أن عدد المكيفات الهوائية في تونس يناهز 4 ملايين جهاز، وهو رقم يكشف حجم التحول الذي عرفه نمط الاستهلاك خلال السنوات الأخيرة. ومع ارتفاع درجات الحرارة، يتحول تشغيل المكيفات في فترات قصيرة إلى أحد مصادر الضغط على شبكة الكهرباء، خصوصا خلال ساعات الذروة الصيفية.
المسألة هنا لا تتعلق بعدد الأجهزة فقط، وإنما أيضا بمردوديتها. فالمكيف القديم أو الأقل كفاءة يحتاج إلى كمية أكبر من الكهرباء لتحقيق مستوى التبريد نفسه مقارنة بجهاز أكثر نجاعة. ومع ملايين الأجهزة الموجودة في البلاد، يصبح الفارق في استهلاك كل جهاز مسألة ذات تأثير على المستوى الوطني.
وتراهن تونس، في هذا السياق، على نشر نماذج جديدة من المكيفات تستخدم تقنيات أكثر نجاعة، من بينها أجهزة تعمل بمحركات «إنفرتر» وبغازات تبريد أقل تأثيرا على المناخ.
وتقول وزارة البيئة إن النماذج التي تم عرضها خلال ندوة وطنية يمكن أن تحقق اقتصادا في الطاقة في حدود 15 بالمائة.
وهذا يعني أن معالجة مشكلة الاستهلاك لا يجب أن تقتصر على مطالبة المواطن بتقليص ساعات تشغيل المكيف، وإنما يمكن أن تبدأ أيضا من الجهاز نفسه، ومن التكنولوجيا التي يعتمدها.

الانتقال إلى أجهزة أقل استهلاكا

و شرعت تونس منذ سنوات في مسار مرتبط بالتزاماتها في إطار بروتوكول مونتريال وتعديل كيغالي، بهدف التقليص التدريجي من استعمال المواد ذات التأثير الكبير على المناخ.
وفي هذا الإطار، تم تحويل خطوط إنتاج المكيفات لفائدة سبعة صناعيين لاعتماد تكنولوجيات جديدة تستعمل غاز التبريد «آر 32»، الأقل تأثيرا على الاحتباس الحراري مقارنة بالغازات التي يجري التخلي عنها تدريجيا. ووفق المعطيات التي قدمتها وزارة البيئة، سيساهم هذا المشروع في تجنب أكثر من 150 ألف طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المكافئ.
كما تستهدف تونس تقليص استهلاك الهيدروفلوروكربونات بنسبة تقارب 24 بالمائة بحلول سنة 2030. وقد دخلت الخطة الوطنية الخاصة بهذه المواد حيز التنفيذ منذ بداية سنة 2024، في إطار تنفيذ تعديل كيغالي.
لكن نجاح هذا التحول لن يقاس فقط بعدد المصانع التي تغير خطوط إنتاجها، وإنما بمدى وصول التكنولوجيا الجديدة إلى المستهلك التونسي. فالمكيف الأكثر كفاءة قد يكون أكثر كلفة عند الشراء، حتى وإن كان أقل كلفة أثناء الاستعمال بسبب انخفاض استهلاكه للكهرباء.
وهنا تصبح سياسة الطاقة مرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية للأسر. فإذا كان الهدف هو تجديد جزء كبير من أسطول المكيفات، فإن توفير الأجهزة الجديدة وحده لن يكون كافيا. المطلوب أيضا إيجاد آليات تجعل اقتناء الأجهزة ذات النجاعة العالية ممكنا بالنسبة إلى شريحة واسعة من المواطنين.

تجديد أسطول المكيفات.. خيار اقتصادي وطاقي

و الأهم في المشروع التونسي أن أثره المحتمل يتجاوز حماية طبقة الأوزون أو الحد من الانبعاثات. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن اعتماد الجيل الجديد من المكيفات يمكن أن يؤدي إلى تقليص استهلاك الطاقة في الصيف بما يعادل استهلاك نحو 600 ألف مكيف من العدد الموجود حاليا.
وهذا الرقم يوضح أن سياسة النجاعة الطاقية يمكن أن تكون أداة لإدارة الطلب على الكهرباء، وليس مجرد إجراء بيئي. فكل كمية من الكهرباء يتم توفيرها خلال ساعات الذروة تخفف الضغط عن الشبكة، وتقلل الحاجة إلى مواجهة الاستهلاك المرتفع بإنتاج إضافي.
وفي جويلية 2026، أعلنت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة إطلاق مسار لإعداد برنامج وطني يهدف إلى تعميم أجهزة التكييف عالية النجاعة، مع دراسة آليات تمويل تساعد على تجاوز ارتفاع كلفة الاقتناء وضعف قدرة عدد من المستهلكين على تمويل التجهيزات الجديدة.
وهذا الجانب قد يكون حاسما. فالتونسي الذي يفكر في شراء مكيف لا ينظر بالضرورة إلى استهلاك الجهاز على المدى البعيد، وإنما إلى السعر الذي سيدفعه لحظة الشراء. لذلك فإن نجاح الانتقال إلى أجهزة أكثر نجاعة يحتاج إلى جعل الكلفة الأولية أقل عائقا أمام المستهلك.
في النهاية، يبدو أن معركة تونس مع استهلاك الكهرباء خلال الصيف لن تحسم فقط عبر الدعوات إلى الاقتصاد في استعمال المكيفات، وإنما أيضا عبر تغيير الأجهزة والتكنولوجيا المستخدمة. أربعة ملايين مكيف تمثل في الوقت نفسه تحديا وفرصة: تحديا بسبب الضغط الذي يمكن أن تسببه على الشبكة، وفرصة لأن تحسين كفاءة جزء كبير منها يمكن أن يحقق وفورات طاقية واسعة.
والرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة سيكون في تحويل هذه الخطط من برامج ومشاريع صناعية إلى تغيير فعلي في السوق، بحيث يصبح المكيف الأقل استهلاكا للطاقة هو الخيار المتاح والميسّر للمستهلك، لا مجرد جهاز أكثر كفاءة على الورق.

Related posts

رئيس الجمهورية:تونس تعيش اليوم حرب تحرير على كافة الجبهات

صابر الحرشاني

تونس تشارك في لقاءات الأعمال الفرنكفونية 2024 بالكيبيك

Ichrak Ben Hamouda

خلال النصف الأول من عام 2025:السوق البريطانية تقود النمو السياحي في سوسة القنطاوي

khairi

Leave a Comment