24.4 C
تونس
25 أكتوبر، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

زيت الزيتون: دعم الموسم مهم، لكن المعركة الحقيقية في قيمة المنتوج

صابر الحرشاني

مع اقتراب موسم زيت الزيتون 2026-2027، تتجدد التحديات التي تواجه القطاع، في ظل تقلبات الأسعار وصعوبات التمويل والتخزين التي قد تدفع الفلاحين إلى بيع محاصيلهم تحت ضغط الحاجة إلى السيولة، وتزداد أهمية هذه التحديات أمام بلانا، التي تصدر كميات كبيرة من زيت الزيتون إلى الأسواق العالمية، لكنها لا تزال تسعى إلى تعزيز القيمة المضافة لصادراتها من خلال تطوير التعليب والترويج للعلامات التجارية التونسية.

وفي مواجهة هذه التحديات، أقرت الحكومة حزمة من الإجراءات تشمل تمويل شراء الزيت من الإنتاج الوطني بقيمة 150 مليون دينار، وقروضا ميسرة لصغار الفلاحين بقيمة 20 مليون دينار، وبرنامجا لتخزين ما يصل الى 60 ألف طن لمدة ثلاثة أشهر، فضلا عن منح لتشجيع التصدير المعلب وخط تمويل جديد بقيمة 100 مليون دينار للفترة 2027-2030، وهي قرارات تستحق التوقف عندها، لأنها تتناول بالفعل عددا من المشكلات التي يواجهها القطاع، من نقص السيولة الى صعوبة التخزين وضعف حضور المنتوج المعلب.

أهمية السيولة لانجاح الموسم

ويعرف الفلاح أن موسم الزيتون لا ينتظر فالجني يتطلب مصاريف فورية، وكذلك نقل المحصول الى المعاصر واستخراج الزيت وتخزينه. وفي غياب التمويل، قد يجد نفسه مضطرا الى البيع بسرعة، حتى عندما لا يكون السعر مناسبا، لمجرد توفير المال اللازم لتسديد ديونه ومصاريف الموسم. ومن هنا تأتي أهمية تخصيص 150 مليون دينار لشراء الزيت عبر الديوان الوطني للزيت، الى جانب القروض الموجهة الى صغار الفلاحين.

وتكمن قيمة هذه الإجراءات في أنها تفتح أمام المنتجين هامشا من الوقت، وتمنح الدولة وسيلة للتدخل عندما تتعرض السوق لضغط كبير. كما أن منح الأولوية لصغار الفلاحين في اقتناء معدات الجني الآلي، والعمل على إعادة جدولة ديونهم، يمكن أن يساعدا على تخفيف الأعباء وتحسين ظروف الإنتاج.

لكن الفلاح لا ينتفع كثيرا من قرار تمويل يظل تنفيذه بطيئا، أو من قرض لا يصل اليه إلا بعد أن يبيع محصوله. لذلك سيكون من المهم أن تعلن الجهات المعنية عن آجال واضحة لصرف التمويلات، وشروط الانتفاع بها، وكيفية توزيعها بين المتدخلين. فنجاح هذه الإجراءات يبدأ من وصول المال الى مستحقيه في الوقت الذي يحتاجونه فيه.

ويستحق برنامج التخزين الاهتمام نفسه. فقد تقرر تخزين كميات تصل الى 60 ألف طن لمدة ثلاثة أشهر، مع تخصيص منح بسقف إجمالي لا يتجاوز 20 مليون دينار. ويمكن لهذا الإجراء أن يخفف ضغط العرض خلال ذروة الموسم، وأن يساعد المنتجين على تجنب البيع المتسرع. لكن أثره سيتوقف على عدد المنتفعين، وكلفة التخزين الفعلية، ومدى كفاية المنح، فضلا عن قدرة الديوان الوطني للزيت والمتدخلين على إعادة تسويق الكميات المخزنة في ظروف أفضل.

والأهم أن يكون التخزين وسيلة لمساعدة الفلاح على تحسين موقعه في السوق، لا مجرد تأجيل للبيع لبضعة أشهر. فالمطلوب في النهاية هو أن تتحول هذه الآلية الى أداة تحمي المنتج من الضغوط الموسمية، وتساعد على استقرار السوق دون الإضرار بالمنافسة أو تحميل الدولة أعباء يصعب تحملها باستمرار.

من بيع الزيت الى بيع القيمة

وتظل مسألة التصدير من أكبر الملفات التي تحتاج الى عمل طويل النفس. فتونس تملك خبرة واسعة في إنتاج زيت الزيتون، ولها حضور مهم في الأسواق الخارجية، لكن الجزء الأكبر من صادراتها يباع سائبا، بينما تظل حصة الزيت المعلب محدودة. وتكشف هذه المفارقة أن النجاح في إنتاج الزيت وتصديره لا يعني بالضرورة الحصول على كامل القيمة التجارية التي يمكن أن يحققها.

وتشير بيانات منشورة حول الأشهر العشرة الأولى من موسم 2025-2026 الى أن صادرات زيت الزيتون بلغت نحو 381 ألف طن، بقيمة تقارب 4.78 مليارات دينار، في حين لم تتجاوز حصة الزيت المعلب 14.5 بالمائة من الكميات المصدرة. وتبين هذه الأرقام حجم الفرصة المتاحة أمام تونس لرفع قيمة صادراتها، عبر تطوير التعليب والعلامات التجارية وتوسيع الوصول الى المستهلك النهائي.

وفي هذا السياق، يبدو الترفيع في منحة النقل البحري للزيت المعلب من 50 الى 60 بالمائة خطوة إيجابية، شأنه شأن مواصلة دعم النقل البحري والجوي، ومرافقة المؤسسات الناشئة المصدرة، وإعداد خطة وطنية للترويج للزيت التونسي. كما أن تشجيع النزل والمطاعم على اعتماد زيت معلب بعلامة تجارية تونسية يمكن أن يخلق طلبا إضافيا داخل السوق المحلية، ويمنح المنتوج حضورا أوضح لدى المستهلك.

وتستحق هذه الإجراءات التثمين لأنها تتجه نحو معالجة مشكلة تتجاوز الموسم الحالي: كيف تحتفظ تونس بجزء أكبر من القيمة المضافة التي يحققها زيت الزيتون؟ فالتعليب والترويج وبناء العلامات التجارية يمكن أن تفتح فرصا للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتخلق مواطن شغل، وتدعم أنشطة التعبئة والتغليف والتوزيع والخدمات المرتبطة بالتصدير.

لكن الانتقال الى هذا النموذج يحتاج الى أكثر من منح النقل. فالمؤسسة التي تريد دخول سوق خارجية تحتاج الى منتوج مطابق للمواصفات، وعلامة تجارية مقنعة، وشبكة توزيع، وقدرة على توفير الكميات المطلوبة بانتظام. كما تحتاج الى تمويل يسمح لها بالانتظار حتى تحصل على مستحقاتها، والى دعم فني يساعدها على فهم شروط الأسواق المستهدفة.

ولهذا سيكون من المفيد ربط برامج الدعم بنتائج واضحة، مثل تطور صادرات الزيت المعلب، وعدد العلامات التجارية التي تدخل أسواقا جديدة، وحجم العقود التجارية التي يتم إبرامها. فالمهم ليس عدد المعارض أو الحملات الترويجية وحده، بل ما إذا كانت هذه الجهود تفتح أسواقا فعلية وتزيد من عائدات المنتج التونسي.

إصلاح المنظومة لا ينتهي بانتهاء الموسم

ولا يقتصر مستقبل زيت الزيتون على التمويل والتخزين والتصدير. فالتغيرات المناخية، وتكاليف الإنتاج، والحاجة الى تحسين الجودة، كلها عوامل تجعل الاستثمار في الفلاح وفي طرق الإنتاج ضرورة متواصلة. ومن هذه الزاوية، يمثل تكثيف التكوين والإحاطة الفنية في مجالات التقليم ومقاومة الأمراض والميكنة خطوة مهمة، خاصة إذا وصلت البرامج الى المنتجين في الوقت المناسب، وارتبطت بحاجاتهم الفعلية.

كما أن إعداد دراسة استراتيجية لتطوير القطاع ومخطط لإعادة هيكلة الديوان الوطني للزيت يفتح المجال أمام مراجعة طريقة إدارة المنظومة وتحديد أدوار مختلف المتدخلين. ويكتسب هذا التوجه أهميته من الحاجة الى مؤسسة قادرة على التدخل بفعالية في السوق، ومساندة المنتجين، والمساهمة في تطوير التصدير، ضمن قواعد واضحة ونتائج قابلة للتقييم.

ويستحق إحداث حساب خاص لتمويل منظومة زيت الزيتون الاهتمام أيضا، لأنه قد يوفر إطارا أكثر استقرارا لتمويل منح التخزين وصيانة مخازن وصهاريج الديوان. لكن نجاح هذه الآلية سيحتاج الى شفافية في التصرف في مواردها، ووضوح في أوجه إنفاقها، وتقييم دوري لمدى استفادة القطاع منها.

في المحصلة، تحمل الإجراءات الحكومية نقاطا إيجابية، خاصة في توفير التمويل، ومساندة صغار الفلاحين، وتشجيع التعليب، والتفكير في إصلاح الديوان الوطني للزيت. وهي خطوات يمكن أن تخفف ضغوط الموسم وتدعم قدرة القطاع على المنافسة. ويبقى الحكم عليها مرتبطا بما ستحدثه فعليا في السوق.

Related posts

سعيد للسيسي: الحركة الصهيونية العالمية تسعى لإسقاط الدّول بتفجير الأوضاع داخلها

صابر الحرشاني

نجل فرحات حشاد في ذمة الله

صابر الحرشاني

وزارة المالية: مشروع قانون المالية الية لتجسيم قيم ثابتة في الدستور

صابر الحرشاني

Leave a Comment