حين يتحول التشجيع إلى فوضى…أي مستقبل لثقافة الملاعب في تونس؟
لم تعد الحوادث التي تعيشها الملاعب التونسية مجرد أحداث معزولة أو ردود أفعال ظرفية يمكن تبريرها بحماس الجمهور أو ضغط المباريات، بل أصبحت ظاهرة متكررة تفرض نفسها بإلحاح على كل من يتابع الشأن الرياضي في البلاد. مباراة أخرى تُفسدها الجماهير، ومشهد جديد يُضاف إلى سلسلة طويلة من الانفلاتات التي تكشف عن أزمة عميقة في ثقافة التشجيع، أزمة تتجاوز حدود الرياضة لتلامس جوانب اجتماعية وتربوية وثقافية أكثر تعقيدًا.ما شهدناه مؤخرًا بين رادس ومساكن ليس سوى حلقة إضافية في مسلسل متواصل من السلوكيات التي تخلط بين الشغف المشروع والانفلات غير المقبول. فمنذ سنوات، بات واضحًا أن جزءًا من جماهير الملاعب التونسية لم يعد يميز بين دعم فريقه وبين تحويل الفضاء الرياضي إلى ساحة للفوضى. والنتيجة في كل مرة واحدة رياضة تُدفع الثمن، وأندية تُعاقب، وصورة مشوهة تترسخ يومًا بعد يوم.التشجيع بين الفن والانحراففي جوهره، التشجيع هو أحد أجمل مظاهر الرياضة. هو فن قائم بذاته، يعتمد على الإبداع في الهتاف، والتنظيم في المدرجات، والقدرة على خلق أجواء حماسية تدفع اللاعبين لتقديم أفضل ما لديهم. لكن ما يحدث في العديد من ملاعبنا اليوم بعيد كل البعد عن هذا المفهوم. رمي القوارير، إشعال الشماريخ، اقتحام أرضية الميدان، والاعتداءات اللفظية والجسدية، كلها ممارسات لا تمت بصلة إلى التشجيع، بل تندرج ضمن سلوكيات عنيفة تُسيء للرياضة قبل أي شيء آخر. الأخطر من ذلك أن هذه الأفعال أصبحت، لدى البعض، جزءًا من “طقوس التشجيع”، وهو ما يعكس خللًا عميقًا في الوعي الجماعي.
مشاهد تتكرر من التنافس الرياضي إلى الفوضى
المباراة الأخيرة في نهائي الكرة الطائرة بين النجم الساحلي والترجي الرياضي التونسي كانت مثالًا حيًا على هذا الانفلات. النجم، الذي دخل اللقاء بعزيمة واضحة، نجح في حسم الشوطين الأول والثاني بنتائج مريحة (25-16 و25-21)، ليضع قدمًا في طريق فرض مباراة رابعة وربما خامسة.لكن الترجي لم يستسلم، وعاد بقوة ليعدل الكفة، محققًا شوطين متتاليين (25-23 و25-12)، في سيناريو يعكس روح المنافسة الحقيقية التي يفترض أن تكون عنوانًا لأي مباراة رياضية. ومع الوصول إلى الشوط الفاصل (التاي بريك)، بدا أن الترجي يمضي بثبات نحو الحسم، حيث تقدم بفارق مريح (13-5).في تلك اللحظة، بدل أن يكتفي الجمهور بمتابعة نهاية مباراة مثيرة، اختار البعض أن يتدخل بطريقة كارثية، حيث أمطروا أرضية الميدان بالشماريخ، في مشهد صادم أنهى كل ما تبقى من جمال اللقاء. هنا، لم يعد الحديث عن نتيجة مباراة أو لقب، بل عن سلوك دمّر لحظة رياضية كان من الممكن أن تبقى في الذاكرة بشكل إيجابي.ضحية جديدة للفوضىما لا يدركه الكثيرون أن مثل هذه التصرفات لا تضر فقط بسير المباراة، بل تنعكس بشكل مباشر على الأندية نفسها. العقوبات المالية، اللعب دون جمهور، وحتى خسارة المباريات، كلها تبعات محتملة لهذه الأفعال. و في رياضات مثل كرة اليد والكرة الطائرة، شهدنا بالفعل حالات تم فيها معاقبة فرق بسبب تصرفات جماهيرها. وهو ما يطرح سؤالًا بسيطًا هل هذا هو التشجيع الذي يخدم الفريق؟ كيف يمكن لجمهور أن يدّعي دعمه لناديه وهو يتسبب في معاقبته؟و إذا أردنا البحث عن جذور هذه الظاهرة، فلا بد من التوقف عند مسألة الوعي. فالمشكلة ليست فقط في وجود أفراد “مشاغبين”، بل في غياب ثقافة عامة تؤطر سلوك الجماهير داخل الملاعب. فالتشجيع ليس مجرد حضور جسدي، بل هو سلوك يعكس مستوى الوعي لدى الفرد. حين يغيب هذا الوعي، تتحول المدرجات إلى فضاء مفتوح لكل أشكال الانفلات. وهنا تظهر الحاجة الملحة إلى “غذاء العقول”، كما يُقال، أي إلى برامج توعوية حقيقية تستهدف مختلف الفئات، خاصة الشباب.هل الردع هو الحل؟هناك من يرى أن الحل يكمن في تشديد العقوبات، سواء على الجماهير أو على الأندية. لا شك أن الردع ضروري، وأن القانون يجب أن يُطبق بحزم على كل من يخرق القواعد. لكن الاقتصار على هذا الجانب قد لا يكون كافيًا. فالتجارب أثبتت أن الحلول الأمنية، رغم أهميتها، لا تعالج جذور المشكلة. يمكن أن تحد من الظاهرة مؤقتًا، لكنها لا تقضي عليها. لذلك، فإن المقاربة الشاملة يجب أن تجمع بين الردع والتوعية، بين العقوبة والتربية.فالإعلام الرياضي يتحمل جزءًا من المسؤولية في هذا السياق. فبدل التركيز فقط على النتائج والإثارة، يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في نشر ثقافة التشجيع الحضاري، من خلال تسليط الضوء على النماذج الإيجابية، وفضح السلوكيات السلبية.كذلك، لا يمكن إغفال دور المؤسسات التربوية، من مدارس ومعاهد وجامعات، في ترسيخ قيم الاحترام والانضباط. الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي وسيلة لتعليم الانضباط والعمل الجماعي وقبول الآخر.
الأندية مسؤولية مضاعفة
الأندية بدورها مطالبة بالقيام بدور أكبر في تأطير جماهيرها. يمكن تنظيم حملات توعوية، إنشاء روابط مشجعين منظمة، والعمل على تعزيز العلاقة الإيجابية بين الفريق وجمهوره.في العديد من الدول، هناك تعاون وثيق بين الأندية وروابط المشجعين، يتم من خلاله وضع قواعد واضحة للسلوك داخل الملاعب، مع توفير فضاءات للتعبير الحضاري عن الدعم.و المفارقة المؤلمة هي أن الجمهور، الذي يُفترض أن يكون نقطة قوة لأي فريق، قد يتحول في بعض الأحيان إلى عبء ثقيل. بدل أن يكون مصدر دعم، يصبح سببًا في التوتر والعقوبات والخسائر. وهذا ما يجعل من الضروري إعادة التفكير في دور الجمهور، ليس فقط كمتفرج، بل كشريك في المنظومة الرياضية. شريك يتحمل مسؤولية سلوكه، ويدرك أن أفعاله لها تأثير مباشر على الفريق الذي يشجعه.
التتويج في ظل الفوضى
و رغم كل ما حدث، تمكن الترجي الرياضي التونسي من حسم لقب البطولة في الكرة الطائرة، مضيفًا اللقب السادس والعشرين إلى سجله الحافل. إنجاز جديد يعزز مكانة الفريق كأحد أبرز الأندية في تونس، خاصة مع رصيده الكبير من الألقاب المحلية والقارية. و لكن هذا التتويج، رغم أهميته، جاء في أجواء مشحونة، ما يطرح تساؤلًا مهمًا هل يمكن الاحتفال بالإنجازات الرياضية في ظل هذه الظروف؟ هل يمكن للرياضة أن تحقق أهدافها النبيلة إذا كانت محاطة بكل هذا العنف؟الإجابة ليست سهلة، لكنها ممكنة. تغيير ثقافة التشجيع لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى عمل طويل المدى، يشارك فيه الجميع الدولة، الأندية، الإعلام، والمجتمع المدني.فنحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى التشجيع، إلى ترسيخ فكرة أن دعم الفريق لا يكون بالصراخ فقط، بل بالالتزام بالقواعد واحترام المنافس. بحاجة إلى جيل جديد من المشجعين، يدرك أن الرياضة أخلاق قبل أن تكون نتائج.
و ما حدث ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو جرس إنذار يجب أن يُسمع جيدًا. استمرار هذا الوضع يعني المزيد من التدهور، ليس فقط على مستوى النتائج، بل على مستوى صورة الرياضة التونسية ككل.العيب ليس فقط في ما حدث، بل في عجزنا عن إيجاد حلول حقيقية. وبين من يرى الحل في الردع، ومن يدعو إلى التوعية، يبقى الأهم هو التحرك الفعلي، قبل أن تتحول الملاعب إلى فضاءات منفصلة تمامًا عن روح الرياضة.في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نريد ملاعب مليئة بالحماس والجمال، أم ساحات للفوضى والعنف؟ الإجابة ليست بيد جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، وتمتد إلى كل مكونات المجتمع.الوعي… ثم الوعي. ربما هي البداية الحقيقية لكل تغيير.
