يحل عيد الشغل هذا العام في بلادنا حاملا تساؤلات قديمة جديدة حول السبل الكفيلة بثمين قيمة العمل ليكون رافعة للدولة و مجزيا للطبقة الكادحة بالفكر و الساعد.
ومن المؤكد أن قيمة العمل حين تتراجع، تتراجع معها الثقة، ويضعف الانتماء للمؤسسة، وتزداد الرغبة في الهجرة، وينمو الاقتصاد غير المنظم، وتصبح الشهادة بلا أثر واضح، والخبرة بلا مقابل عادل، وعندما يفقد العمل مكانته، تتأثر صورة المستقبل نفسها.
و تقوم الدولة على الاشتغال على محور كبير عنوانه استعادة الدولة الاجتماعية عبر احراءات و قرارات رصينة و بطيئة احيانا لكنها ثورية اذ لا يشتكي كثير من الناس من غياب العمل فحسب، بل من ضعف مردوده. فهذاموظف يعمل سنوات ويجد أن دخله يذوب أمام الأسعار. و ذلك شاب يتحصل على شهادة ثم يقبل عملا لا يوازي تكوينه و الاخر عامل يتعب يوميا دون تغطية اجتماعية كافية وهنا صاحب مشروع صغير يعمل أكثر من الجميع ويصارع للبقاء و كل هذه الفئات المختلفة يجمعها شعور واحد قوامه ان الجهد المبذول يجب ان ينعكس على مستوى العيش.
تثمين العمل مطلب مشترك
وتبدو الأولوية الحقيقية في هذه المرحلة هي تثمين العمل بمعنى أن يصبح العمل المنتج مجزيا، والعمل المنظم محميا، والعمل المتقن مقدرا، والعمل الحر ممكنا. فالمجتمع لا يتقدم حين يكثر العمل كما بل حين يصبح العمل طريقا واضحا للترقي والاستقرار.
ومن الواضح ان الحطومة تجد في هذا الملف أحد أكبر امتحاناتها ذلك ان المواطن ينتظر إدارة ناجعة للملف، ولخدمات أفضل، وفرصا أوسع. وكل إصلاح اقتصادي لن يكتمل إذا لم يلمس الناس أثره في حياتهم اليومية. لذلك فإن تحسين مناخ الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، ومقاومة التعطيل، وتعصصر الإدارة، ليست ملفات تقنية بعيدة عن عيد الشغل، بل من صلبه، لأنها تحدد قدرة الاقتصاد على خلق فرص حقيقية.
كما أن حماية القدرة الشرائية تبقى جزءا أساسيا من تثمين العمل فليس مطلوبا أن يعمل المواطن فحسب، بل أن يكون للعمل معنى مادي ملموس لانه حين يركض الدخل وراء الأسعار دون أن يلحق بها، يشعر العامل بأن مجهوده يتبخر. وهذا ما يجعل الاستقرار الاقتصادي ومحاصرة التضخم قضية اجتماعية بامتياز.
من جهة أخرى، تحتاج تونس إلى مراجعة نظرتها لبعض المهن حيث ما زالت هناك أعمال تقنية وحرفية ومهنية مطلوبة، لكنها لا تحظى بما يكفي من التقدير الاجتماعي، و في المقابل، يسعى كثيرون إلى وظائف محدودة الآفاق فقط لأنها تحمل صورة تقليدية أفضل.
ان هذا الخلل في الثقافة المهنية يربك السوق ويحرم قطاعات كاملة من الكفاءات و الحال و ان النجاحات الكبرى في العالم لم تقم على الشهادات وحدها، بل على المهارة والانضباط والإتقان لان التقني الجيد، والحرفي المتقن، والمبرمج الكفء، والعامل المختص، وصاحب المشروع الصغير المنظم، جميعهم يصنعون الثروة مثلهم مثل أصحاب المكاتب، و بلادنا تملك طاقات بشرية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية إذا تغيرت نظرتنا للعمل وقيمته.
و هنالك ملف آخر يفرض نفسه بقوة هو هجرة الكفاءات، فحين يهاجر الطبيب والمهندس والتقني والباحث، تغادر سنوات من التعليم والاستثمار والخبرةو لا يمكن منع الناس من البحث عن الأفضل، لكن يمكن خلق أسباب تدفعهم للبقاء أو للعودة، و أهم هذه الأسباب هو أن يشعر صاحب الكفاءة بأن جهده يجد التقدير والفرصة والإنصاف.
كما أن الاقتصاد الصغير والمتوسط يحتاج عناية خاصةفالاف التونسيين يخلقون لأنفسهم عملا ولغيرهم عبر محلات صغيرة، وخدمات، و ورشات، ومبادرات محليةو هؤلاء يحتاجون تمويلا أوضح، وإجراءات أخف، ومرافقة أكثر، لأنهم يشكلون قاعدة واسعة للتشغيل والاستقرار الاجتماعي.
ومن الواضح ايضا انه في زمن التكنولوجيا، يتغير سوق الشغل بسرعة. وهناك مهن تختفي، وأخرى تولد، وأنماط جديدة من العمل تنتشر عن بعد أو عبر المنصات الرقمية، و في كل هذا تبدو بلادنل قادرة على الاستفادة من هذا التحول إذا استثمرت في التكوين المستمر، واللغات، والمهارات الرقمية، وربط التعليم بحاجيات الاقتصاد الجديد.
تحديد مكانة العمل في الوعي
ان عيد الشغل في معناه الأعمق ليس مناسبة للاحتفال بالوظيفة بقدره ماهو مناسبة لتجديد مكانة العمل في الوعي العامو أن يقتنع الشاب بأن الاجتهاد مفيد ز أن يثق العامل بأن تعبه محترم. و أن ترى المؤسسة في الأجير شريكا في النجاحو أن تعتبر الدولة الوقت والإنتاج والكفاءة قيما وطنية.
ان ما تحتاجه بلادنا اليوم بصراحة هو أن يعود العمل إلى مركز المشروع الوطني. لأن البلدان تنهض بسواعد تعمل، وعقول تبتكر، وإدارة تسهل، ومؤسسات تنتج.
