32.6 C
تونس
6 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى مجتمع

تسري كالنار في الهشيم: اي دلالات لتفشي الاشاعات؟


صابر الحُرشاني

تشهد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس خلال الفترة الأخيرة موجة متصاعدة من الإشاعات والأخبار الزائفة، تتسلل بسرعة إلى الفضاء العام وتتداولها آلاف الحسابات دون تمحيص أو تثبت. ويطرح هذا الواقع الجديد الذي بات يطبع التواصل الرقمي تساؤلات جدّية حول تداعيات هذه الظاهرة، وأسباب تفشيها، وسبل مواجهتها في ظل فوضى إعلامية تعصف بمصداقية المعلومة، وتضع الرأي العام أمام تحديات حقيقية تتعلّق بالتمييز بين ما هو واقعي وما هو مضلل.

انتشار رهيب للاشاعات

ولم تعد الشائعة لم تعد مجرّد خبر عابر أو دعابة افتراضية، بل أصبحت عاملا معطّلا للحياة العامة، وتحدث توتّرا وتغذي الريبة وتساهم في خلق حالة من الانقسام الاجتماعي والنفسي ، بل اذ أنّ منسوب انتشارها اتّسع ليشمل مواضيع تمسّ بأمن الدولة، وتطال أشخاصًا ومؤسسات دون أدنى اعتبار للأخلاقيات أو للآثار التي قد تخلّفها الأخبار الكاذبة.
وتتعدّد الأمثلة وتتكرر يوميا في هذا السياق، ، فخلال الايام الاخيرة تداولت حسابات و صفحات على نطاق واسع اشاعات مفادها تسجيل حريق في سجن المسعدين، اثارت البلبلة قبل تكذيبها و ملاحقة مروجيها.
كما انتشرت اشاعات حول تسجيل انقطاع في الكهرباء طويل الامد و شامل يوم 25 جويلية وهو ما نفته الشركة التونسية للكهرباء و الغاز.
ولم تتوقف موجة الإشاعات عند المجال المالي، بل طالت مواضيع أخرى أكثر حساسية.
و في تحليل أسباب هذا المد الجارف من الشائعات، يرى خبراء الاتصال أنّ الأمر لا يقتصر على التسرّب العرضي للمعلومات الخاطئة، بل يتعلّق أحيانًا بتضليل منظم. فهم يصنّفون الشائعات المنتشرة إلى اربعة أصناف رئيسية: أولًا، معلومات خاطئة يتمّ تداولها عن حسن نية ودون قصد الإساءة و ثانيًا، معلومات مضللة تُنشر عمدا بهدف الخداع أو الإرباك. وثالثًا، معلومات حقيقية في أصلها، لكن تُقدّم بطريقة مسقطة أو تُوظّف للإضرار بفرد أو جهة معينة و اخطرها بث اشاعات يراد منها تأجيج الوضع.
ويشير الخبراء أيضا إلى أنّ أدوات التضليل متعددة، منها التلاعب بالصور والفيديوهات، والربط بين عناوين مثيرة ومحتوى لا علاقة له بها، أو نسبة تصريحات وهمية إلى شخصيات عامة، فضلًا عن اجتزاء المعلومات وإخراجها من سياقها بما يخدم غرضا معينًا ليجد المتلقي نفسه أمام محتوى يبدو حقيقيا في ظاهره، لكنه ”مفبرك” في مضمونه وسياقه.

اسباب تفشي الظاهرة

وغالبا ما تكون الشائعات مشحونة بالعاطفة، وتحمل عنصر الإثارة، ما يجعلها قابلة للانتشار أكثر بكثير من الأخبار الدقيقة التي تميل إلى الجفاف أو التعقيد، كما أن منصات التواصل الاجتماعي، بآليات عملها المبنية على التفاعل السريع، تشجّع على النشر دون تحقق، فيما تعزز الخوارزميات الرقمية المحتوى المثير والمشاركات التي تخلق تفاعلًا أكبر، بغض النظر عن مصداقيتها.
ومن جهة أخرى، يعاني الفضاء التونسي من ضعف في التربية الإعلامية، إذ يفتقر كثيرون إلى أدوات التحقق من الأخبار، ويتّبعون ميولهم أو تحيزاتهم عند الحكم على مدى صحة المعلومة. كما أنّ الكثير من المشرفين على الصفحات لا يتحلون بالمسؤولية أو بالمهنية، ويلهثون وراء عدد “اللايكات” والمشاركات، دون اعتبار للأثر المجتمعي لمحتواهم. ويضاف إلى هذا، بطء بعض الجهات الرسمية في نشر المعلومة الصحيحة، مما يترك فراغًا تتسلل عبره الشائعة.
لكن الظاهرة تتجاوز هذه الجوانب التقنية والسلوكية، فهي مرتبطة ايضا بتحولات عميقة في النظام الاجتماعي ذاته، فمع تراجع دور الإعلام التقليدي، أصبح كل فرد منتجًا للمعلومة ومستهلكًا لها في الوقت ذاته، وهذا ما جعل الشائعة تتحوّل إلى وسيلة للتعبير عن الذات، ومجالًا لبناء هوية جماعية داخل “مجموعات رقمية” يشعر فيها الفرد بأنه فاعل، حتى وإن كان فاعلًا في نشر الكذب.

اي حلول ؟

وفضلًا عن ذلك، فإنّ البعض ينشر الإشاعة بدافع امتلاك السلطة الرمزية، إذ يرى أن نشر معلومة –حتى لو كانت كاذبة– يمنحه تأثيرا ومكانة داخل محيطه الرقمي، ويُفسَّر ذلك بما يسمّى في علم الاجتماع بمقاربة “الرأسمال الرمزي” التي تمنح للمعرفة، ولو كانت وهمية، قيمة اجتماعية تُضاهي المال أو النفوذ.
و أمام كل ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى حلول شاملة لا تقتصر على الرقابة أو الزجر، بل تنطلق من الوعي المجتمعي ذاته. فمواجهة الشائعات تستوجب تعزيز ثقافة التحقق والتثبت، وتربية رقمية جديدة تبدأ من المدارس، وتُشرك الإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني في تحصين الرأي العام.
كما بات من الضروري أن تُسرّع المؤسسات الرسمية في تقديم المعلومة الصحيحة بشكل فوري ومباشر، لقطع الطريق أمام التأويلات، مع الضغط على المنصات الرقمية لاعتماد آليات أكثر فعالية في وضع إشارات تحذيرية على المحتوى الزائف، وتشجيع المتلقي على التثبت قبل النشر.
فالإشاعة هي سلاح قد يكون قاتلًا حين يستخدم بطريقة ممنهجة، ومعركة الوعي اليوم هي معركة دقيقة تتطلب قدرا كبيرا من العقلانية والانضباط والمسؤولية الجماعية، حتى لا تتحوّل مجتمعاتنا إلى فرائس ساذجة لحرب معلوماتية لا أخلاقية.

Related posts

الحرس الوطني: نعمل على العودة الطوعية لمهاجري إفريقيا جنوب الصحراء و تأمين جسر جوي لهم

صابر الحرشاني

هكذا سيكون طقس اليوم

صابر الحرشاني

أريانة: حملات تصدي للإنتصاب الفوضوي والاستغلال المفرط للرصيف

Moufida Ayari

Leave a Comment