37.2 C
تونس
23 أغسطس، 2026
الصفحة الأولى عالمية

هل بدأت ترتيبات جديدة في ليبيا من بوابة النفط ؟

صابر الحرشاني

باتت الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على منشآت النفط في الزاوية محور تساؤلات حول هوية المعتدين و معرفة الاهداف من وراء استهداف اهم مصادر الطاقة في الغرب الليبي.

وخلال الأيام الأخيرة، تعرضت منشآت في مجمع الزاوية النفطي لسلسلة من الهجمات، كان آخرها هجوما أدى إلى اندلاع حريق كبير في أحد خزانات الوقود، فيما أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن الهجمات المتكررة قد تهدد استمرار العمليات في المصفاة.

ولا توجد حتى الآن  معطيات رسمية حاسمة تحدد الجهة التي تقف وراء هذه الهجمات، وهذه النقطة مهمة، لأن تحميل المسؤولية لأي طرف ليبي أو إقليمي في هذه المرحلة سيكون أقرب إلى التخمين منه إلى التحليل، لكن غياب الإعلان عن الجهة المنفذة لا يعني أن الحدث خال من الدلالات السياسية.

دلالات استهداف النفط

وفي ليبيا، تقريبا يصعب الفصل بين الأمن والنفط والسياسة، فالمؤسسات النفطية علاوة على انها منشآت اقتصادية تمثل جزءا من توازن القوى ومصالح الأطراف المتنافسة داخل البلاد وخارجها. ولذلك فإن ضرب مصفاة الزاوية أو تعطيل خزانات الوقود لا يعني فقط إلحاق أضرار مادية بمنشأة، وإنما يمكن أن يتحول إلى وسيلة للضغط على السلطة وعلى الوضع الاقتصادي وعلى حركة الوقود في منطقة واسعة من غرب البلاد.

والأهم أن اختيار منشأة نفطية يجعل الرسالة المحتملة أكبر من حجم الانفجار نفسه فالمسيّرة التي تصيب خزان وقود تبعث برسالة إلى السلطات والشركات والمستثمرين والأطراف الأجنبية التي تراقب قطاع الطاقة الليبي.

ترتيبات جديدة

وتعيش ليبيا منذ سنوات على توازنات مؤقتة أكثر منها على تسوية نهائية، فالتنافس بين مراكز القوة لم ينته، والانقسام السياسي لم يُحسم بصورة نهائية، والوجود المسلح خارج إطار الدولة لا يزال قادرا على التأثير في القرار الأمني والسياسي.

وفي مثل هذه البيئة، يمكن لأي تغيير في موازين القوى أن يبدأ بأحداث تبدو منفصلة على غرار اشتباكات محلية، اغتيالات، تحركات عسكرية، ضغوط على مؤسسات اقتصادية، ثم ضرب منشأة حساسة.

لذلك لا يمكن استبعاد أن تكون هجمات الزاوية جزءا من صراع على إعادة ترتيب النفوذ في غرب ليبيا، لكن هذا الاحتمال يحتاج إلى أدلة إضافية، خصوصا أن المدينة نفسها شهدت توترات واشتباكات، ما يجعل فرضية الصراع المحلي قائمة بقوة أيضا.

غير أن السؤال الأكثر إثارة للانتباه مفاده هل تستطيع مجموعات محلية، بمفردها، تنفيذ سلسلة من الهجمات الدقيقة بالمسيّرات على منشآت نفطية حساسة؟

إذا ثبت أن الأمر يتعلق بقدرة منظمة ومتطورة، فإن ذلك سيغير طبيعة القراءة الأمنية للحادث أما إذا تبين لاحقا أن المسيّرات مرتبطة بجهة خارجية أو حصلت على دعم خارجي، فإن المسألة ستنتقل إلى مستوى آخر تماما.

لكن الربط المباشر بين هجمات الزاوية وصراع إقليمي محدد يحتاج إلى الحذر. فالمؤشرات المتوفرة حاليا تثبت وقوع الهجمات وتكرارها، لكنها لا تثبت هوية المنفذين أو الجهة التي تقف خلفهم. وحتى الحديث عن “صراع إقليمي” يجب أن يبقى في إطار الفرضية التحليلية لا الخبر المؤكد.

فإذا كانت ليبيا مقبلة على ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، فإن الأطراف التي ستستفيد أو تتضرر من هذه الترتيبات قد تبحث عن وسائل للضغط قبل أن تتبلور ملامحها.

وفي الدول التي تعاني هشاشة مؤسساتية، يمكن للضغط على الطاقة أن يكون أكثر فاعلية من الضغط السياسي المباشر.

ربما لا تكون المسألة في النهاية محاولة للسيطرة على النفط، بل محاولة لإظهار القدرة على تهديده.

فالطرف الذي يستطيع تعطيل منشأة نفطية دون أن يعلن نفسه يبعث برسالة مزدوجة: يستطيع الوصول، وفي الوقت نفسه يستطيع أن يبقى مجهولا. وفي الصراعات المعقدة، تكون هذه القدرة في حد ذاتها أداة تفاوض.

ومن هنا يمكن النظر إلى الزاوية باعتبارها اختبارا لثلاثة أمور في الوقت نفسه: قدرة الدولة الليبية على حماية منشآتها، قدرة القوى المحلية على ضبط المجال الأمني، وقدرة الأطراف الخارجية على التأثير في المشهد من دون الظهور مباشرة.

والأيام المقبلة ستكون أكثر أهمية من الهجوم نفسه. فإذا توقفت الضربات، فقد يكون الهدف رسالة محدودة أو ضغطا ظرفيا. أما إذا استمرت واستهدفت منشآت أخرى أو انتقلت إلى مواقع نفطية مختلفة، فسيصبح من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد حادث أمني محلي.

من يملك مفتاح المرحلة المقبلة؟

السؤال الحقيقي في ليبيا ليس فقط من يملك السلاح، وإنما من يملك القدرة على التأثير في القرار النفطي والأمني والسياسي في الوقت نفسه وهجمات الزاوية تضع هذا السؤال مجددا على الطاولة.

قد تكون وراءها حسابات داخلية بحتة، وقد تكون جزءا من صراع على النفوذ في غرب ليبيا، وقد تكشف التحقيقات لاحقا عن دعم أو ارتباطات خارجية. ولا يوجد حتى الآن ما يكفي للجزم بأي من هذه الفرضيات.

لكن المؤكد أن تكرار استهداف منشأة بهذه الحساسية لا يمكن التعامل معه بخفة. فالنفط كان طوال تاريخ الأزمة الليبية ورقة صراع وورقة تفاوض وورقة ضغط، ومن الخطأ افتراض أن هذه الوظيفة انتهت.

Related posts

 جنود أوكرانيين عالقين في خنادق من طين

سنية خميسي

العثور على التركية المفقودة في المنستير

Mohamed mabrouk Sallami

إصابة جنديين إسرائيليين بغور الأردن

Walid Walid

Leave a Comment